التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

العودة   منتديات المغرب > المنتديات الثقافية و الأدبية > منتدى الرواية و القصة القصيرة





 

البريد الإلكتروني:

 
رد
 
Bookmark and Share أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 12-25-2012, 11:27 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش

جديد
رواية/ أم الدويس
للأديب الإماراتي/ علي أبوالريش

في تلك اللحظة المباغتة، لحظة اغتيال الحلم، كنت واعياً جداً لما يجري في جسدي كما كانت الأرض التي استبيحت، والنخلة التي فاجأها العدوان، فأسقطت الثمار على الأرض المرتجفة احتجاجاً.. كنت في الرابعة عشرة من عمري، عندما اقشعر بدني، وارتعدت الفرائص رعباً، في تلك اللحظة تحديت نفسي وكتمت أنفاسي وأذعنت لما يجري، لأنه ما كان في استطاعتي غير مقاومة الجفول، والقبول بالأمر الواقع.. كنت يافعاً، ومعالم جسدي في موعد مع الأزهار، وكان الجندي يقف قبالتي مشدوداً نحوي برغبة عارمة، لمحت في عينيه بريقاً، قديماً، يتسلل من بين جفنيه كأنه ألسنة ضوئية قادمة من سماوات علا، أو من تواريخ قديمة قدم الضغينة التي كان يحفظها ضدي وضد سواي، لهذا اليوم.. ولما أزبد فمه كما يرغو اللعاب، في خطم الحمير المتوحشة، وانكب على جسدي، متفلق فـيّ، وأنا أشبه بالكائن المحاصر في زاوية أضيق من ثقب الإبرة، مستسلماً، متهاوناً، قابعاً تحت جسده كأرنب مذعور.. كان ينهق ويشهق وأنا أتأوه، وداخلي يزعق، وأسمع صراخي الداخلي كمن يستنجد من داخل بئر عميقة.. فما انفك عني الألم، قض قضيضه، فانتفض متعالياً، شامخاً، ولم أصحُ إلا على صفعة أدارت رأسي، بعد أن مادت الأرض من تحت قدمي.. وغد متوحش، قال لي بلهجة حانقة، انهض أيها الكلب العربي.. ستذهب إلى مأواك هناك في الضفة الغربية من الخليج.. حدقت في وجهه ساهماً، وقد شردت أفكاره، وغابت العبرة، ولم أكن أفقه شيئاً مما يعنيه إلا لما استأنف حديثه قائلاً: هذه الجزيرة ليست لكم أيها الأوغاد، أنتم دخلاء فارحلوا، أيقنت بعدها أن الأمر لا يتعلق فحسب بما فعله بجسدي، وإنما هناك ضحية سيتم اغتصابها، وما النهيق الذي بثه في وجهي إلا نذير جرم أكبر.. فكرت في البدء في منزل قروي وأخذت الصغار وأمي ووالدي.. والنخلة التي كانت تمارس فعل الوجود والقدسية التي كانت تنالها من جهة أبي.. كل هذه المكونات سوف تؤول إلى إناس آخرين، كما آل جسدي ظلماً إلى هذا الجندي الوغد.. نفضت إزاري الملتاث بالرمل الرطب، وهو الرداء الوحيد الذي حوى نصف جسدي السفلي، وجلست أسترد أنفاسي بعد أن غاب الوحش، نظرت إلى البحر، كان أزرق صافياً، وكان يعالج حبه مع ساحل الجزيرة، بكل أناة وتؤدة، بينما رست مراكب الصيد الصغيرة وادعة تحلم بيوم جديد يلي الأيام الفائتة، لتسمع نهيم الصيادين وهم يرتلون الأغاني، مناجين أسماءهم، بوعود اللقاءات الحميمة.. توجهت قرب الشاطئ، فإذا به يتبعني.. الوحش الضاري، يخب خلفي، بخوذته العسكرية، والقميص الكاكي المتهدل وسرواله المبعثر بين ساقيه.. شعرت بأن بؤساً لم تبدأ بدايته بعد، وأن ما حصل مجرد خطوة في اتجاه الكارثة.. توقفت، وسياط من الخوف من المجهول تجلد بدني وتنتزع من عمري زهرات الفرح، بيفوع، تستدعيه تفاصيل الجسد النابتة كبراعم لوز..

قال بلهجة ساخرة، ماذا تفعل هنا، اذهب يا صغيري إلى أمك، كي تلملم ثيابها وتنصرف من هنا.. نظرت إليه، والغيظ يحكم قبضته في حلقي فلم أستطع أن أنبس ببنت شفة، لكنه فهم أن عينيّ كانتا تتحدثان عن استهزاء بكلامه.

لطمني على وجهي، فتحطمت متناثراً على التراب، غرست شفتاي في الرمل المبلل بالماء المالح.. تفانيت من أجل النهوض، فتبع اللطمة بأخرى أشد فتكاً، فانكسرت مبعثراً على الرمل مرة أخرى، تجاسرت، وقفت، ثانية، قال بلهجة شبه باردة، ألم أقل لك غر من هناك، لماذا تصر على إغاظتي، ألا تعرف أنني جندي، من سلالة النبلاء؟ أما أنت وأشباهك فليسوا إلا جرذان، سوف نكتسحكم بالقوة إن لم تأتوا بالمعروف..

قلت في نفسي، يا صبي، لا تكابر، فما شأنك وهذا الخنزير، سوف تنال ما هو أشد وأفظع مضاضة لو أنك أصررت على العصيان، شعرت بالخزى وأنا أجرجر أذيال هزيمتي أمام هذا القذر، ولكن لا محالة، مادام تسلح هو بالحقد، وتأبطت أنا رذيلته التي قذفها في جسدي، من دون أن ترتجف له شعرة، في بدنه، تقهقرت في اتجاه المستحيل، ساورني ظن أن ما يجري مجرد عقاب كون الجزيرة المقدسة بقيت ردحاً من الزمن في طي النسيان، والمنتمون يغطون في سبات عميق.. سرت مضعضعاً أجمع خطواتي المتثاقلة على الرمل، وأنظر إلى البحر بعينين دامعتين، ثم ألتفت ناحية الوغد وألعنه في سري، توحدت مع السر الذي أردت أن أدفنه في داخلي، كي لا تنصاع أصوات الضمير، وتمقتني إلى الأبد.. وكان الأبد سر يقظتي التي تطورت نسلاً أممياً، تكاثرت ذراته ذرة ذرة، وتفرعت أنا يافعاً، صنعت بخيوط ضوئية، تناسقت من شمعة الشمس، حتى سمك عودها فصارت أغصاناً، توزعت ظلالها على الأرض التي سوف تصبح بعد اليوم رقعة جغرافية غريبة عن الأهل..

سمعته عندما قال لي، وهو يشهق، سوف أجز عنقك لو تفوهت بكلمة، اصمت واكمم فمك بهذا الرمل، وأحسست بالاختناق، وهو يضع راحته الغليظة على فمي، ويضغط على جسدي بعنف، كأنه يريد اغتيالي بعد اغتصابي، وبعد أن فرغ من مهمته الدنيئة رفسني، كما ترفس الشاه، ثم دفعني بعنف لافظاً أنفاسه، التي كانت تتسرب إلى فتحتي أنفي، كأنها الطائر المسموم.. هذا الجسد الأشبه بالجيفة يرتكب معصيته ويمضي وتبقى الرصاصة القاتلة في أحشائي، تتورم، وتكبر حلقاتها، حتى أصبحت كورم خبيث.. لعنت الظلم ولكن لا جدوي من اللعنات في وجه القوة، بل هو أشبه بالصرخة في فراغ يتسع الجهات الأربع.. ولم يسعني إلا أن أغادر المكان، إلى حيث يستقر المنزل الطيني الذي بناه والدي، بالتعاون مع أقربائه ليستر عورة أهل بيته، وهذه هي العورة تنكشف، ويهتك عرضها، ويذهب الجاني متمرغاً، متباهياً بالدناءة والوحشية، والجبروت الذي يولد من القوة الغاشمة.. لم يكن في وسعي أن أكشف السر، فما جدوى أن أفصح عن سر لا يستطيع كائن من كان أن يحل عقدته، بقيت وحدي أتجرع مرارة الطفل، وأستعيد حلقات الكابوس، وأقاوم انكساري بشيء من الصبر الذي لا يشفي، لكنه يؤجل شيئاً ما، من الإحساس بالموت النهائي..

بعد زمن عانيت الغضب الذي انتهك، تمعنت في خصاله وتفاصيله فلم يزل صامداً، يكابد معاناته، لكن ثقباً ما وصمه في الداخل رسمت وشماً أو سوراً غائراً محتدماً، يسورني بأسلاك شائكة أحاول أن أقفز على مرحلة ما سوداوية، بيد أنها تزمجر في وجهي مكفهرة، متعاظمة فأنيخ كالبعير المنهك، أخنع ضربات الداخل المدوية، وأنحني، وبين الفينة والأخرى أحاول أن أكسر حاجز الصوت الداخلي، إلا أنه يصر على أن يخدعني، ويقودني من معصمي إلى حيث ارتكبت المعصية الكونية، فأضطر منتكساً، ذاوياً، متهاوياً، متهالكاً، أجوس في هذا البحر المتلاطم بين أشياء سيئاته وخذلانه، أصر على أنني كائن بشري يستحق أن يتقاسم العيش والهم مع المنتمين، إلا أنهم يقررون، مرتجفين من كلمة أرض.. الأرض أصبحت الآن مجرد ذاكرة مثقوبة، كإناء صدئ، تراكمت في أحشائه الطفيليات والغبار.. ولكني أنا المعذورة، عن ماذا أسأل، الآن عن جسدي الملوث أم عن الأرض التي غابت عنها الشمس، وباتت شبه جغرافيا غشيتها تضاريس مدلهمة أقرب إلى لون العباءات السوداء الجنائزية. قلت في نفسي من يحق له أن يلطم صدره أنا أم هم؟ من يحق له أن ينعى الجرح، والأوصال التي قطعت أنا أم هم؟.. تناهى إلى سمعي أن أناساً صرخوا في يوم من الأيام قائلين لا للاحتلال، لكنهم بعد ذلك صمتوا صمت القبور، إذا كان صراخهم أشبه بصرخة الحمار عندما يتعب، ينفث من مؤخرته ريحاً نتنة احتجاجاً على الظلم ثم يرخي خطمه مستجيباً للأمر الواقع..

في رحلة الشتات توارت أحلام، ونشأت أحلام، صرت أشبه كمن صحا من حلم، ونشأ يرتب مشاعره المبعثرة، ولم تزل اللطمة تدوي في الذاكرة، وأنا هنا حيث تمضي الأيام على الأرض اليباب، أشعر بأن ما كان لم يعد، والأرض التي اختطفت لن تعود، وكذلك ما عاش في الذاكرة سيظل مجرد شرارات حارقة تذروها حركة الحجر المتقد في الأعماق، وقد أكون أنا أقل وعياً بالتراب الذي يتسلل من بين الأصابع، ولكن أبي، هذا الكهل المغموس في طين وعجين الأرض، فمارس الذاكرة ضد غليلها وعويلها إلى درجة أنه لم يقوَ على مقارعة الممكن الملتهب، فوقع فريسة المرض، وأطاحت به العلل، حتى انتزعه الموت من الأرض التي لم يشعر يوماً بأنها تتحمل همومه، وإحساسه بالضيق.. فذهب المسكين وحيداً، ذهب بعيداً، وبقيت وحدي، فكان الفراق الأليم الثاني بعد فراق أمه التي وافاها الأجل، وهي لم تزل على الأرض المقدسة، وقد تكون الأكثر حظاً مني ومن أبي كونها دفنت تحت تراب تلك الأرض، وقبل أن تشهد لوعة الحرمان، والشتات الرهيب.. الوحدة والعجز يكسر العظم والإحساس بوجود اللاشيء أمر مزرٍ، ومخيب للآمال، والوقوع وسط محيط استبيحت هويته، وصار أشبه بالكائن الملوث، قدر لا يحتمل الصبر مهما بلغ الإنسان من قوة جلد، الأمر الذي جعلني أشعر بأن القيامة بدأت منذ ذلك الوقت، وقت الاحتلال البغيض، وعلى الرغم من أنني حاولت أن أتسرب من بين نسيج الوطن البدين، وأتهرب من الثوابت لعل وعسى، تنصرف الأمور إلى فرج.. لكن ما كان يحيق بي وأنا أعيش وأعاشر، وأجتمع مع بشر، أشعرني بأنه لا مجال للندية، بل لا وقت لتصديق الوعود، فكل ما يتم ترتيبه كان يسرق الوقت ويهرب بالعمر إلى مساحات سوداوية لعينة، تقض المضجع ولا ترجع ما تمت سرقته.. في البر الغربي، تبدو الحياة مختلفة ومناهضة لكل ما يجيش في القلب، عندما أثير قضية الاحتلال، أواجه بالضغوط، وأنصح بالنسيان، وأنا قدماي مازالتا مبللتين بماء الجزيرة، ولم تزل عين أمي مرسومة في صدري، عندما شخصت البصر تطالعني، وإصبعها يشير إلى النخلة قائلة بكلمات غامضة، لا تهمل النخلة، اسقها بيديك.. وهنا وأنا أرفع يديّ أجدهما فارغتين بلا ماء، فأنتكس، وأغضن حاجبي، تحاصرني الحسرة والأسى.. أيقنت أنني لن أعود، فكل المعطيات تشير إلى عدم العودة، فالاحتلال رسخ جذوره، وكرس جهوده من أجل طمس هوية ذلك المكان، معتمداً على قوته العسكرية الباطشة وأنا ليس بحوزتي غير الأمل، المبتور والأمنيات المهضومة..



يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية

  #2  
قديم 12-25-2012, 11:32 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

على الأرض الجديدة تشرئب أعناق الرجال عندما تأتي سيرة الاحتلال، بل والبعض يعتبر ذلك ضرباً من الخيال، بأن يعود ما نهب، أنا وحدي أظن، وبعض الظن يبدو في منظومة المجتمع الجديد، إنما يجرم عليه قانون الغاب.. قال لي الجندي البغيض وهو يمارس رغبته المجنونة اذهب أيها الغريب، وهنا تنظر العيون إليّ بشيء من الريبة والتوجس، وأحياناً أصفع بألفاظ يندى لها الجبين، ما يشعرني بأنني جئت من عالم فضائي، بعيد لا يحق لي أن أستمر في الحياة على الأرض.. فالأرض ابتلعت كل المبادئ وتخلت عن ثوابتها الطبيعية، وتناهت إلى اختصار العنصر البشري، كونه مجموعة من خلايا النمل، تعمل ليل نهار من أجل كسب العيش، ولما تنتهي من صناعة غذائها تعود لتهدم البيت الذي بنته، لتمضي إلى حياة أخرى، هكذا لا ثبات ولا قوامة للعقل.. آه.. العقل.. ما هذا العقل؟ بدأت أفكر في عقلي، إنه التكوين المجرد، المكون من ذكريات وأحلام، وآلام، ومبادئ، قد لا تساوي شيئاً حيال هذا الزخم البشري المتعارك من أجل البقاء حياً.. فقط يعيش لأجل أن يعيش. توسلت إلى الله أن يهبني عقلاً مثل عقولهم، وأن يمنحني إرادة متفانية من أجل النسيان مثل إرادتهم، وكأني أطلب المستحيل، وجدت نفسي أهيم في عراء وسخ، مسحوق تحت رحى لا مبالية تطحن الوجود بقسوة لا مبرر لها غير تعاسة الذين أرادوا أن يكونوا هكذا، بلا معنى.. المعنى الذي أريده هو القوة التي تسترد الحق بأي ثمن.. والأثمان تبدو باهظة ومستحيلة لدى الذين أجبرتهم ضمائرهم الخربة على تجاوز حدود المنطقة..

سألني ضميري ذات يوم، وفي لحظة يأس، ما سلب ليس إلا قطعة أرض لا تساوي كل هذا الاحتقان، وبديلها تضاريس واسعة، تجمع الشرق بالغرب، فلماذا يا سيد تبالغ في الحرقة.. اجمع شتاتك، وانهل من الحياة لذيذها، وعش يومك، كما تعيش هذه الجموع.. فكرت، شعرت بوخزة صارمة، تسحق روحي، أحسست بأن المسألة لا تتعلق بتراب يقع في وسط بحر هائل، إنما المسألة هي الجذور، فلماذا تموت الشجرة التي تنقل من تربة إلى أخرى، رغم توافر كل مستلزمات الحياة لها، عندها، الأرض التي اقتلعت منها.. فكرت في الجذور ملياً، فكرت في التسرب الحقيقي للشرايين التي تغلغلت، واكتست شيمة الأرض، وبعد الفراق، تبدو الغربة موحشة، ومضنية.. لعنت الاحتلال، وبصقت في الوجوه الشاحبة، ومقت الرؤوس، التي لم ترتفع لترى ما أبيد من جذور.. تطورت بعد ذلك نسلاً غريباً، وضعت صورة أمي في صدري، قبلتها، قلت في بؤس، سامحيني لم أستطع أن أرى النخلة لأنها بعيدة، والمكان أصبح محظوراً، والجهابذة هنا يصرخون ويغرقون الفضاء بشعارات خاوية من المضمون، والمستقبل لا يبدو على ما يرام، كون الحاضر مدلهماً بغيوم العجز غارقاً بأمطاره الحمضية..

المدينة القديمة، لم تزل حالمة، تعانق الماء الأزرق، وترقب أسماكه منذ القدم، تتغير الأشياء من حولها، وتتبدل، وهي معتكفة كراهبة هجرت اللذة، واعتنقت صبرها الأزلي، ومنذ أن قرر الإنسان هنا أن يحطب في الفراغ، ويختزل العمر، في الشهقات والنظرة اللامبالية، وهي تحشد أزقتها الضيقة بالغبار، وتتوازى مع عصورها البائدة بلا تأفف.. استقللت التاكسي البحري، جلست على المقعد الخشبي المفروش ببساط بلاستيكي أخضر باهت خدشت حياء لونه الداكن أشعة الشمس اللاهبة، والتي لم توفر جهداً في سوط صاحب القارب، فعذابات الحر، وملوحة العرق، ووساخة دخان الديزل المنبعث من فوهة الماكينة التي تكح وتصدر سعالاً أشبه بسعال كهل مسلول.. مضى القارب، يسبح على صفحة الماء الهادئ، ومكثت أنا مدلياً ساقيّ عبر المقعد المنضوي على ظهر الماكينة، والهواء الساخن الرطب يلطخ وجهي، وشظايا النيران المنبعثة من أحشاء الماكينة تلهب مؤخرتي، وعبر رجل آسيوي ذي سحنة سمراء، نحيف، أجرد، يرتدي قميصاً بنصف كم، وسروالاً رمادياً، منجرفاً عند ظهر القدم ومن خرخرة صدره، وأنفاسه المتقطعة بأنه مدخن شرس، لاسيما أنه لم يتوقف أبداً عن زم عقب السيجارة بنهم.. حاولت أن أدير وجهي لأبعد نفخاته عن أنفي، استدرت جانباً، بينما لبث هو في لعق الدخان بشراهة المدمنين.. الرجل الواقف عند مؤخرة القارب، بدأ يلم أجرة التوصيلة، معترضاً الآخرين بابتسامة جامدة، وهو يلهث من سطوة الحر.. وبأناة وتؤدة ارتطم القارب بجرف المرسى، نهضت، كما انتفض الآخرون، مكللين مهللين، بفرحة الوصول، وكان القارب الذي أقلنا جاء من أعالي البحار، بطبيعة الحال لم أجد غضاضة في أن أتسلل من بين الحشد، وأسير الهوينى لا ألوي على شيء. فعندما قررت القدوم إلى هنا لم يكن في ذهني أي هدف، كسائر الذين يحملون أوزارهم في صدورهم ويغادرون أمكنتهم إلى أماكن أخرى، هبطت على اللسان الأسفلتي الرمادي، وغبت وسط الزحام، ومضيت حتى آخر الجادة المؤدية إلى أزقة متفرقة ومتشعبة، قابلت الواجهة التي أبغضها.. البنك البريطاني، هنا عند الزاوية في مقابلة الشارع الرئيسي، ينتصب هذا الصرح التجاري العتيد، وأذكر أن يد الاحتلال، حيث سارت المظاهرة الحاشدة، ورشق بعض المأزومين مبنى البنك بالحجارة، فهشمت نوافذه وواجهاته الزجاجية، حتى تدخلت الشرطة، وفرقت الجموع الغاضبة جراء الاعتقاد أن لبريطانيا يداً طولى في تسليم جزء من تراب الوطن لقوات الاحتلال الإيرانية.. نظرت إلى المبنى، بصقت، ثم تابعت طريقي في نفس الشارع العام.. عند ركن قريب توقفت، ثم توغلت في زقاق ضيق، شممت رائحة الخشب المعتق، والطين الجلد، هنا تصطف دكاكين الباعة القدماء، رجال من زمن تاريخي عتيد، إنهم أشبه بأعمدة السقوف الخشبية، شاهدت ملامحهم، ولم تتغير رغبتهم في إثبات الوجود، تحدوا الزمن وتصرفاته الحمقى، وتزخرفوا بالصبر، وأبواب المحلات الخشبية بالدرابزينات الحديدية والأقفال المعلقة في ثقوب الحلقات المغروسة في جوف الخشب الهرم، وأكياس القمح، والأرز، والطحين، والفول السوداني، والحمص، والعدس، تفتح أفواهاً ظامئة في انتظار الزبائن الذين يأتون من شواهق الجبال، وبطون الوديان، وصدور السفوح، مسربلين بالقنادير والقحاف، التي لم يتغير نسيجها، إلا أنها باتت أشبه بجلود الحيوانات اليابسة، رائحة الخردوات والبهارات المكتومة بين الجدران الضيقة شدتني كثيراً، شعرت برغبة عارمة إلى قضاء وقت أطول بين أعشاب هذه الحديقة المهجورة، أحسست بأن وادياً ينهال بسرعة فائقة، يجرفني نحوها بقوة فطرية لا نهاية لها.. سألت نفسي هل لتشابه الأمكنة ما يجعل الانحياز إليها أمراً عفوياً، أم أن في وجدان الإنسان قاسماً مشتركاً، يفرض عليه حتمية الاندفاع بقوة إلى ما يشاهده.. التصقت بالجدران، تشممت الرائحة، غرست عيني في الوجوه البريئة، هؤلاء أطفال كبار، أو رجال صغار، سمهم ما تشاء، المهم في الأمر أنهم أناس اختاروا مصيرهم، وتبنوا الحياة ببساطتها، وسذاجة معطياتها، فرسخوا المفاهيم القديمة على أنها الجذور، التي لا يمكن اختراقها.. قارنت.. كيف يعن للإنسان أن يقلع إنساناً من جذوره، ويتبرأ من المبادئ، استناداً إلى مسوغات تاريخية كاذبة، ومبررات ثقافية لا تصدق أبداً، مهما بلغت من حنكة، وقدرة على إثبات ما لا يثبت في القيم الراقية.. سنحت لي الفرصة أن أرى رجلاً مسناً، يقف بجوار واجهة محل تجاري صغير، يتحزم بشريط جلدي، رصع ظاهره برصاص بندقية، كند على ما أعتقد إن لم تخني الذاكرة، يرتدي قندورة صفراء، ويربط رأسه بمعصم أحمر تبينت شكله، لا أدري لماذا لفت اهتمامي من الوهلة الأولى، ولماذا أصررت على الاقتراب منه، وتشخيص وجهه الأسمر، الجاد، ولا أدري لماذا بعد هنيهة، اعتقدت أنه يشبه أبي، وربما أن كل الرجال الذين ينتصبون بهامات شامخة ورفيعة، هم يشبهون أبي.. أبي كان رجلاً كهلاً، لكنه يتمتع بقامة سامقة، وعينين حمراوين حارتين..

يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية

  #3  
قديم 12-25-2012, 11:32 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

ماذا عليك أن تفعل هنا، أو بالأحرى، لماذا أنت جئت؟ وما الذي دفعك بأن تعبر القناة البحرية، وتأتي لتتوغل في هذه القناة الكبيرة، إنه أشبه بمكان مهجور، ومن يقطنونه مجرد هياكل عظمية لأحياء كانوا هنا وذهبت أرواحهم، تلتقط الفراغ.. تدخل في الزقاق المعتم وكأنك تلج قبراً كبيراً، ورائحة الطين والخشب المعتق أشبه برائحة العظام، تزم أنفك، تحاول أن تصمد لتكتشف المجهول في غابة الجدران المتآكلة، وأخشاب الصنوبر، المنحدرة من بداية الزمن.. تحسم أمرك، وتتكئ على صبرك المعتاد، وتجلس عند زاوية قريبة من محل لبيع الشاي الأحمر، والفول السوداني، والحمص والزلابيا، تطلب كأس شاي وصحن فول سوداني، وتنتظر.. ولما يعود النادل المتأبط جلداً تحت سطوة الحر القائظ، والمحفوف بمخاطر الوقوع تحت غماره، ولكن هؤلاء لا خوف عليهم، لأنهم أقوى من الحر، تأخذ رشفة شاي وتقذف حبة فول في فمك، ثم ترشق القشور على الأرض، وتعاين الفراغ، وترسم صورة لواقع جميل، على الرغم من الكآبة التي ألمت بك من الوهلة الأولى، وبطبيعة الحال، فإن الزائر لمكان لا يعرفه قد يصاب بالدهشة، أو بالملل، لكن أصحاب المكان هم وحدهم الذين انسحبوا بعد تألق في الصبر، وبعد أن جارت الدنيا عليهم بمشاعر اختلطت برائحة مكونات الطبيعة التي لم يختاروها، إنما هي التي اختارتهم، ولما فرغت من المشروب الأحمر اللذيذ، الذي لم أطعمه منذ زمن، أعطيت النادل أجرته ونهضت، كان بوسعي أن آخذ طلباً آخر، لأن شهيتي انفتحت على القدر ذي الرائحة الزكية لقشور الفول السوداني، ولولا أنني لا أحب السكريات كثيراً لطلبت حفنة من الزلابيا، إذ شدني اللون الأصفر البرتقالي، السائل الشفاف، المذاب في عروقها المتشابكة، شرايين الزلابيا، الرقيقة الأنيقة تغير من المزاج، لكني فضلت عدم الإذعان لرغبتي، فالحرارة اللاهبة، لا تقضي على المزيد من تناول السكريات، بوسعي أن أعود، وأن أستأنف الحوار مع هذا المكان الرائق المتجمد عند نقطة الصفر الحضارية، لكنه أجمل من الحضارة، وأكثر لباقة من أي شيء قد يلج أتون المكان، بعرفانية مجللة بالزيف والافتراء.. سألت نفسي، هذه الأعداد من الجريد كيف تم صفها وعقد أربطتها بهذه الأناقة واللباقة، وكذلك جذوع النخل، ما هذه الأيدي التي سحلت عنها الليف والزوائد، ورتبت أصلابها بكل شجاعة، ثم إنه كيف تم حملها، وأي ظهور هذه احتملت خشونة جذوع النخل، وعجرفة الجريد، وأشواكه، تمعنت بالسقوف التي لم تبدُ سقوفاً للظلال، بل بيوتاً للعنكبوت التي استوطنت المكان، وسيجت مصائدها، حتى تدلت الرقائق النسيجية الشفافة، مؤكدة أصالة المباني التي يجلس في أكنافها، هؤلاء الكهول، أحياناً أحس بأنهم أشبه بالأشباح والكائنات الغريبة، لغرابة ما يمارسونه من نشاطات تجارية، والمكان يبدو هادئاً، فأقول في نفسي أي معيشة هذه؟ فالواحد من هؤلاء لا يبدو أنه تاجر، إذا لم أقل عنه إنه عابر سبيل، اقتعد كرسياً خشبياً، في انتظار حافلة ما، ربما حافلة الموت، وكم هي أليمة هذه الفاجعة عندما ينتظر الإنسان الموت، ولكن لا يبدو على سيماهم أي عجرفة تدل على الخوف، أو القلق من أي شيء، بل إن الابتسامة الجامدة، وأحياناً الباردة تدلك على السخرية.. أجل أنا على يقين أن هؤلاء الرجال ساخرون، فالإنسان عندما لا يكتنف أي هدف فإنه ينظر بلا مبالاة، إلى الأشياء من حوله..

حاولت أن أستعيد قوتي، وأستعين بكل ما أملك من طاقة كامنة لحماية نفسي من الانطفاء كلياً، وبحق فأنا أحب الأطلال، وتغمرني السعادة برؤيتها، ولكن لا أدري، تداهمني فجأة رغبة داخلية أخرى، وتشيع الانكسار في نفسي وأشعر بالتعاسة فأرتاب، ولا أفكر إلا في الفرار، ولكن أين المفر، هذه المدينة تتنفس الخراب، وعلتها أنها لم تزل تستحم في مستنقعات الحضارة، وتمارس شهوة جمع الملابس القديمة والحلي.. خرجت من النفق المظلم، عبرت إلى الشارع العام، واصلت طريقي في اتجاه سوق السمك، وكان البحر قريباً مني، يستمع إلى نداءاتي وأنا ألعق بصاق السماء، وأجتر حثالة الهواء الرطب، وما إن شارفت عند البوابة الوسيعة، المشرعة، توقفت أستمع إلى نداءات البائعين، ودوي محركات المراكب التي وصلت للتو من رحلات الصيد، دلفت إلى أحضان السوق، تفرست في أحشائه الضليعة في صناعة الفرح على وجوه المشترين، والمفعمة بالرائحة المتخمة بالقشور السمكية، التي تناثرت كحبات عقد قديم، وكذلك مصارين الأسماك، وطفر من أحشائها الدم تبعثرت في كل مكان، بينما أخذ كل بائع مكانه على دكة البيع، مطلعاً على الداخلين والخارجين من مبنى السوق، متربصاً بأقرب زبون، باذلاً الجهد الجهيد في الإغراء والإطراء، وبسط النفوذ ليكسب أعلى معدل في البيع، وبين الجادات المتفرعة تمر نساء شاحبات مثخنات بالسمنة، وأخريات يتمايلن بأرداف كريمة، وأطراف بانت من تحت الأغشية السوداء، بضة ناعمة بيضاء، وأنا تتوزع نظراتي، بين هذه وتلك، ورغم فخامة العطور الفائحة بكرم أخلاق رفيع، إلا أن عطر الأسماك يبدو أكثر نفاذاً وقوة، وأستطيع أن أسترق السمع للهمسات الناعمة، وأن أقترب من أطراف العباءات السابحة في الفضاء كأجنحة فراشات غامضة، وهنيهة، ثم أخرج وأعثر على جادة أخرى تسوقني إلى شاطئ بحري، اختبئ خلف مبنى السوق، توقفت عند حافة الحاجز الحجري، نظرت إلى البحر وإلى الزرقة الوادعة، وخلايا حية ناعمة، صغيرة بحجم الشعرات، تلوي في العمق، وتدير أذيالاً رقيقة، أفكر أنها مثلي تائهة، ولكن لا أعتقد ذلك، لكون هذه الكائنات موجودة قبل وجود البشر هنا.. أمضيت برهة، ثم مضيت، وتابعت طريقي في اتجاه الكتل الرملية العالية، قيل لي إن هذه الأكوام، تخبئ تحت رملها عظام بشر، كانوا أناساً يتحركون، يمشون، يأكلون، يشربون، يلبسون، ويمارسون الحب، ولما غشيتهم الفاشية، وطغى عليهم الظلم، ودكت أسوارهم وحصونهم مدافع الطغاة البريطانيين، نامت بيوتهم على رؤوسهم، وانتهوا إلى زوال.. إذ أنا الآن أمشي على جمجمة إنسان، أو أدوس على صدر امرأة، ربما كانت امرأة جميلة رائعة، ربما كانت محط أنظار العشاق، وملهمة الشعراء، المدنفين، وقد أكون الآن أضع قدمي على سطح سرير خشبي، نامت عليه امرأة في حضن زوجها، وتمنيا أن يرزقا بمولود ذكر، وشهقا معاً، ثم ضحكا مسرورين.. أين هم الآن، لقد استولى الزمن على الذاكرة، فاختزل التاريخ في كومة رمل تافه ولا يساوي فلساً. أما البيوت المنتصبة على ظهر الجبل الرملي، كأنها أيضاً باتت من أفعال الماضي، كل شيء هنا يبدو فعلاً ماضياً لا مضارع يمكن أن يضع له موطئ قدم. صعدت التلة العالية، وقد علقت بين الأزقة، غصت في الرمل، كما سبحت عيناي في الفراغ، الجدران المتلاصقة كتب عليها بالفحم أو الطباشير الجيرية، كلام عن الحب، وعن العلاقات الزوجية، وبعضها شتائم وسباب في حق أفراد يبدو أنهم في خصام، كما يحصل هذا بين الرفقاء في الحارة الواحدة، أسير في الجادة، وكأني أمشي في خندق، فوق الأرض، الأنثى العارية تسلط وهجاً حامياً، يسقط على وجهي، كسياط حديدية، مستقرة، أحاول أن أغمض إحدى عيني لأفتحها بعد حين، ثم أغمض الأخرى، أتكئ على جدار وأسند ظهري، تحاشياً للدوار، وأمضي.. والمعضلة في الأمر أنني لا أعرف إلى أين أنا ذاهب، فقد كنت مندفعاً بقوة، غامضة، إلى شيء لكنني رغم ذلك كله، لا أشعر بالملل، بل إن رغبة داخلية، تشحذني قوة إضافية لأستمر في السير، ثم أجد نفسي في الجهة الأخرى، من المدينة القديمة، هنا الشارع، الأسفلت، ينسحق تحت عجلات السيارات والحافلات، والدراجات النارية ذات الأربع عجلات، وبعد مسافة بضعة أمتار يستقبلني الشاطئ، ثم البحر، بدا لي البحر أنه محيط هائل، لعظم ما تراكمت فيه من أمواج، وقد استقرت الأمواج هنا بعد أن هزمت النفوس البشرية، وكذلك المراكب، البحر وحده يهدر، ويزبد، ويصرخ كالوحش، زائراً بشدة، متحدياً، مقامراً، بشواطئه التي بدا عليها التآكل من عظم الصدام.. توقفت، أخذت نفساً عميقاً، حيث الهواء البارد، شكل إلى رئتي، كالماء البارد، أسكن عظام صدري، كما أضمر التعب قليلاً..

يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #4  
قديم 12-25-2012, 11:33 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع


فمنذ اللحظة الأولى التي أنجزت فيها شهادة التحليل النفسي، وأنا أشعر بصعوبة جمة، مع نفسي، حيث إنني لا أواجه الآخر، بصعوبة أكبر من مواجهتي لنفسي، فأنا، مازلت أغوص في أوحال، وأهيم في فضاء، تغيبت عنه الشمس، وتدحرجت النجوم بعيداً عن أرضه.. مازلت أمضغ مراحل ما بعد الفراغ، كحشرة تائهة، تطاردها ريح عاتية.. ما فعله ذاك النذل، كسر أواني كثيرة في داخلي، وشوه مرآة الوجه كما بعثر مشاعري التي أصبحت كنثار زجاج، داست عليه عجلات حافلة محملة بأوهام الفقراء..

امضي وحيداً على الشاطئ، أسترق السمع بإمعان إلى همهمات الموج، وهمسات الريح، وأنظر إلى نعومة أظافر المحار المقذوف، منذ بدء التاريخ، ولايزال يصفع بأقدام البشر أحياناً، وبكفوف الموج أحياناً أخرى، وهناك عند السكينة يبدو لي حديث سري بين الصخور المتراكمة عند الشاطئ والأسماك الصغيرة، التي تبحث عن مشاريع تشيد مأوى لها، وهناك أيضاً غناء وجودي لطيور النورس التي حلقت متسلقة الفضاء، بأجنحة كأوراق الموز، شفافة لكنها صلبة، ويانعة.. وهناك، أيضاً مراكب السفر الضخمة التي تجوب شوارع الخليج، في تؤدة، متأبطة أحلام البحارة، والمسافرين، والتجار، وربما بعض التجار يختلسون من الزمن وداعته وهروب من دوريات الخفر من لوعة الحر، فيسوقون الضمائر، ليملأوا الجعب بالمال، والدر النفيس..

عندما أقف على الشاطئ، أحس بأن إحدى قدمي تنزلق في محيط غائر، أو أنني أتدحرج على سفوح جبل شاهق، فأشعر بالرعب، وينتابني خوف فظيع ينتزع قلبي من صدري، أحتقر نفسي كوني أصبحت أضعف من زعانف هذه السمكات الضئيلة، فأتقهقر، وأسند ظهري إلى الفراغ وأضع نفسي في حضن المنتهي والمجهول.. أقف ورويداً رويداً أسترد أنفاسي الضائعة في خضم الإنهاك، أصارع هذا الوغد الكامن في روحي، وأعصب عيني كي لا أرى ما يتراءى إليّ، لكن الدوار لم يزل يجتاحني كما اجتاحني ذلك الوغد، في النهار البائس، أحاول أن أقتعد كرسياً رملياً، تلة صغيرة، هي بقايا بيت قوقعة أطلقت الفكرة، والتيار الهوائي يختزل مساحة الرؤية، إذ أغمضت عيني بعد أن مسحت قطرات الدمع المتهافتة أسفل المحجر.. ولما عدت إلى المنزل، في الغرفة الصغيرة، المتلفتة على رزم من الكتب التاريخية والأدبية والفلسفية، إضافة إلى ملازم علم النفس والمجلدات الضخمة بعضها تم فتح صفحاتها، وبان على أطرافها حبر التلخيص، وبعضها تراكمت كالهم.. قلت في نفسي ما نفع كل هذه الكتب طالما عجز العلم عن طرد شياطين الهم، من روح شجنت منذ الميلاد.. جلست بمفردي، أتأمل فصاحة الطبيعة، وهي تكشف عن ساق شهواتها، وتفرج عن لوعة تاريخية في صناعة الألم.. الأشياء هنا تتألم، منذ زمن، حتى العصافير لا يبدو لي أن تغريدها يخرج من حناجر لم يبحها العويل، إذ البكاء هنا وجودي، والحزن خالد خلود أشجار الشريش، والسدر واللوز.. الآن وقد خبأت الشمس ثوبها المطرز باللون الذهبي، وانكفأت تحت ردائها الأسود الداكن، وختلت القرية تحت هودج الصمت، لابد لي أن أتناول شرائح الخبز الأحمر، مع جبنة الكرافت وأذهب إلى النوم، ولكن لن أنام، ولو فعلتها فإنني سأكون قد خالفت قوانين الطبيعة، وعصيت أوامر العادة القميئة.

شريحتان من الخبز مدهونتان بالجبن مع كأس الشاي، تكفي، وفيض على الحاجة.. لا أريد أن أطحن أحشائي بالمزيد، ربما كنت في الطفولة أعشق الأرز مع السمك المقدد، وأحياناً المشوي. أما الآن، وبعد العقود الأربعة العجاف، صار الجسد أشبه بالسمكة المملحة، لو زدتها ملحاً تلفت ولو أقللت من الملح فسدت، ولا بد من الاعتدال، لا بد من الابتعاد عن الخيبات..

أستلقي على السرير، فتنهض الأحلام والأوهام، ويشتعل سقف الغرفة بصور وأشكال هندسية، ما برع في صناعتها، أنجح المهندسين المعماريين، كذلك يهاجمني الخوف من الوحدة، كوني أنام ولا جسد يدفئ صدري، ويملأني غبطة، ويحسسني بأهمية الوجود.. لا أتصور كيف أمضيت هذا العمر بدون امرأة، وكيف سأقضي السنوات وما تبقى من العمر، بدون أنثى، تؤثث المشاعر، بسجادة أنثوية، تنعم على القلب بالسعادة والاطمئنان.. ولكن يخالجني شك في أن أتمكن من اقتحام عالم المرأة، إنه عالم معقد وشائك، ولو ذهبت في أدغاله، سوف تلسعني تلك الثعابين، اللابدة في أحشاء الأحراش، والأشجار الشوكية.. أنتفض زائغاً من الضواري التي تختفي تحت عباءة كل امرأة.. أشعر بالذعر من هذه الأفكار السوداوية والعدمية التي تعبث في رأسي، وتجعلني أنقم على الزواج أو أحجم عنه.. لماذا أكون هذه التصورات العبثية عن المرأة، ولم أفق من هذه الأوهام، على الرغم من أن التحليل النفسي فسر كل هذه العقد والإحباطات، لكني لا أستطيع الهرب من هذه الشراك المعقودة حول عنقي.. أنهض مذعوراً، رافضاً ضعفي، أتجول في محيط الغرفة، جيئة وذهاباً أحاول أن أطرد هذه الأوهام، وأستغرب من نفسي فعلى الرغم من يقيني أن كل ما أفكر فيه مجرد وهم، لكنني لا أستطيع التخلص من أغلاله، فهل أنا أتكون من شخصين متناقضين متناثرين.. لماذا أرفض شيئاً، ثم أؤمن بوجوده لو فعلها شخص مجنون، فهذا ممكن، لأنني قابلت أشخاصاً مصابين بالعصاب القهري، يعانون ازدواجية الشخصية. أما أنا، فأعرف جيداً أن هذه الخيالات مجرد تراكمات ماضٍ، إذ هي لا وجود لها في الواقع، فلماذا لا ألفظها كما تلفظ نوي التمر، وأستمتع بحلاوة الحياة.. أعود وأجلس على السرير، أشعر بسخونة قاع قدمي، ثم بتنميل يا ترى ما سبب هذه السخونة، ألأنني مشيت اليوم كثيراً، فتعبت أعصاب ساقي؟ أم أن التكييف لا يعمل، كالمعتاد، فسخن الجسد؟.. لا أدري، ربما كل هذه الحجج مجتمعة، المهم في الأمر، أنني اليوم، لست طبيعياً، وأهم ما يؤكد ذلك، أنني عدت من رحلتي الطويلة، وجناحا قلبي يرفان، كجناحي عصفور مطارد.. كل شيء في جسدي ينتفض، ولا إرادة لديّ في إيقاف أطرافي المرتجفة..

عندما أشعر بالضعف، أستغيث بالذاكرة، وأستدعي التاريخ والحكمة باللاوعي، أطالب نفسي بأن تلتزم حيالي بالحياد، وإلا قد تظهر أشيائي الخفية كثيراً، حتى لا أبوء بالفشل الذريع، وأنا الآن، إلى حد ما، فاشل كوني لا أستطيع أن أطرد كل هذه الخيالات المتراكمة حولي، والتي أصبحت كالشياطين تلاحقني، أتذكر تلك المرأة الأمية الشابة، اليافعة، التي كانت تجلبني إلى منزلها، بحجة الاستعانة لكتابة رسالة خطية إلى زوجها المسافر، كانت تقترب مني، تلاحقني، أشعر بأنفاسها الدافئة تلفح وجهي، وكنت أقبض على شهوتي المحتدمة بحراسة الضمير، وكانت تستنهض كل شيء في جسدي عندما كانت تقرب أنفها من أذني، أو يلامس إصبعها ظاهر كفي، وكثيراً ما كانت تزم شفتيها، وهي تلفظ مخارج الكلمات، وهي تأتي بسيرة الزوج، وأحياناً تمازحني شاتمة بعلها، كي ترضي غروري وتؤكد أنها راغبة في احتساء رضابي، المتقاطر من بين شفتي، كنت شاباً أصغرها بعقد من الزمن، لكنها بدت لي غصناً غضاً ندياً، ولأن الزوج كان يغيب عنها لشهور، وأحياناً يكمل السنة كاملة في الغربة، بدا جسدها حاراً، شهياً، وكان يشدني جداً عنقها المجرد من غشاء الحشمة، الناصع، الأملس، ما يجعلني كثيراً، أقرب أنفي من جسدها لأشم الرائحة، وبالفعل كانت مطواعة إلى درجة الإذعان، والمكوث طويلاً بجانبي، رغم الانتهاء من كتابة الرسالة، وتغليفها في ظرف البريد، وكنت أستعين بالصبر أمام إغرائها ودهاء الأنوثة، الزاعقة بشهوات أزمنة ما بعد الظمأ.. وكانت تفتعل الأحاديث والكلام المسلي لكي تطيل زمن الزيارة، وتستبدل الكلام الجاد بقصص مثيرة، تفتح شهيتي كشاب أرعن في عمر الفحولة، لكي أستمتع بالكلمات بإنصات بالغ وأفتح عينيّ كلتيهما، لأجل أن أتابع بإمعان حركة الشفتين الليميائيتين الدقيقتين، وأتشهى مخارج الألفاظ المندفعة في فيها كشلال ماء بارد.. بالفعل كان جسدي يبرد، وأتصبب عرقاً، وأشعر بأنها تريد أن تلتهمني، وتقبض على جسدي، كمن عثر على أرنب بري هارب من عدالة الطبيعة، وكنت أؤمن بأن هذه المرأة طيعة، وجائعة، لكنها ليست وضيعة، وكنت على يقين أن المرأة العطشى لا تعتبر عاهرة، أو مذنبة، والرذيلة لمن ترتكب المعصية وهي في عصمة رجل يمنحها الإشباع، لكنها ومن دون جدوى تمارس الغي بفجور المتحررات، وشعرت بأنني أحب البقاء معها، لكنها دوماً كانت متوجسة من كلام الآخرين الذين تتربص أعينهم وتراقب دخول النملة إلى بيت أي امرأة غاب عنها زوجها، لذا كنت أحمل قلبي قبل جسدي، وأفر بمشاعري، كي لا تنزلق في الوحل، وكانت تتبعني بنظرات الحسرة، وألمس نسمات أنفاسها، المنبثقة من أنف رقيق، رهيف رهافة ورقة التوت، وألتمس لنفسي العذر، أن الذي يحب امرأة، يجب أن يحترم رغبتها، فإن كانت قادرة على العطاء فأنا في أتم الاستعداد، فأخرج من منزلها والارتعاشة تستولي على جسدي، والنوم كذلك، لأنني لم أظفر بغزوة تساوي كل هذا الاحتباس الحراري الذي استولى على جسدي، ألومها أحياناً لأنها ما كانت جديرة بالاهتمام برغبتي الجامحة، وأوبخ نفسي لكوني لم ألبّ نداء الجسد لديها، حين كانت تطاردني كالقطة المشتهية، ولم أعر رغبتها أي اهتمام. المهم في الأمر أنني كنت أغادرها وهي جامدة في مكانها، وكأنها تلعن هذه المشاعر المتوقدة التي لم تستطع إيقاظ ما بداخلي، وكنت مرتاباً جداً من قنوطها، لأن قنوط المرأة جحيم الرجال.. في المرة الأخيرة، وقبل عودة زوجها بشهر تقريباً، استنجدت بي قائلة، أريدك أن تخط لي رسالة شديدة اللهجة لهذا الرجل الذي ما عاد يسأل، ولا يلتفت إلى زوجته الملتاعة، ولم تفصح تماماً إلى من هي ملتاعة، بل تركت الجملة تخرج من فيها على الإطلاق، ما دلني على رغبتها، فصرت أمارس حنقي على الزوج، إذ اقترب موعد وصوله، وأنا مازلت لم أذق طعم الشفتين، كنت أشعر بأنني أستطيع أن أقتحم هذه النخلة الفارعة، ولكن لما أزفت الآزفة، وكانت المرأة محتقنة إلى درجة الانفجار، شعرت برغبة في الانسحاب، تصورت أن العقل سوف يدفعني إلى ارتكاب جريمة نكراء أو هكذا، قال لي قلبي وهو ينكوي بالهواجس المؤلمة، فآثرت عدم الاندفاع، وبينما كانت هي تندفع بقوة الرغبة العارمة، وتلقي بمشاعرها مدرارة كالهطول، كنت أدافع عن نفسي خشية الوقوع في الخطأ، لم أكن ورعاً أو قديساً، لكن قوى ما داخلية نهرتني بشدة، وبشراسة، دفعتني إلى البعيد، فرأيت عيني المرأة شاخصتين، يتطاير منهما الشرر، شعرت بأنها تريد أن تخنقني لتتخلص من درجات الحرارة، التي سيطرت على جسدها.. هربت فعلاً، فعلت ذلك كالطفل الخائف من وحش ضارٍ، وكانت تلاحقني بنظرات الاحتقار، والحقد كذلك، لكنها لم تفه بكلمة نابية، بل إن زمة شفتيها كانتا تفصحان عن نقمة شديدة انطوت ضدي..

يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #5  
قديم 12-25-2012, 11:34 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

أي أبدية هذه أيقظت في هذه الشجرة الصامدة سحر الخلود، أي بقاء هذا يقاوم فناء جل القيم، ليحكي أسطورة الكائنات، التي لا تذوب كما يذوب الملح في ماء مغلي.. طفقت أقرأ اللوحة، الحالمة بالتجرد من دون التفاتة مضنية، لما يتغير، ويتبدل، ويذهب في جحيم الانهيارات.. سدرة قرواش قيل إنها مسكونة بالشياطين، وكان الكبار يتحاشون المرور حولها، بعد أن تخلع الشمس نعليها وتذهب حافية نحو المجهول، ويوصون صغارهم بألا يلهوا بالقرب من الموت، قالها ابن طفيل، الذين لا يشكون لا ينظرون، والذين لا ينظرون لا يبصرون، الذين لا يبصرون يموتون، عمياناً.. العمى والجهل، سيان كلمتان مترادفتان.. وقفت هنا، حاولت أن أبصر ما يقف مبحلقاً في وجهي، أي حاولت أن أشك بكل ما قيل عن هذه الشجرة التي لعنها الآخرون، وتعوذوا من شياطينها، على الرغم من شهوتهم المفتوحة حيال نبتها السكري، قال لي أحد الأعيان: إن رجلاً حاول أن يقطع غصناً بسكين حاد، فانحرف السكين، بغتة تجاه، عنقه، فنزف قبل أن يسعفه أحد، ومات.. ومنذ تلك الحادثة والناس يخشون هذه الشجرة، وإذا أراد الصغار أن يطاردوا العصافير أو يقتربوا من أعشاشها فإنهم يداهمونها نهاراً، وقبل حلول الظلام يعودون إلى مأواهم، فرحين، بالظفر، مما جادت به أيديهم الصغيرة، من صيد، لكنهم أيضاً يتوجسون من الفراخ الصغيرة، خشية أن تكون متلبسة بأرواح الشياطين، لذلك فهم كانوا يداعبونها بأناة وتؤدة، ويقدمون لها الطعام، كقرابين.. لا أستطيع أن أكذب، لقد شعرت بقشعريرة، وأنا أقف جامداً تحت الأغصان المتدلية، كقلادة قديمة، على صدر امرأة عجوز، ففي تلك اللحظات نسيت كل ما قرأته في علم النفس، ونسيت تعليمات الأب سيجموند فرويد، وفكرت فقط، في الحكايات القديمة، التي تسللت إلى قلبي، كالماء المثلج، فأرعشت بدني، لكنني تجاسرت، حاولت أن أبتعث من جديد لأؤكد لنفسي أن الخرافة مهما كانت لها من سطوة تبقى مجرد فقاعة تدهش لكنها لا تغرق.. غرقت أنا في الفكرة، متسولاً الشجاعة، الصبر، وخضت معركة ضارية مع المفاهيم، المتشابكة، تشابكت مع الظلام الدامس، غرقت في عباءته، اختفيت، وكانت عيناي تحملقان في بصيص الضوء، المنبثق من مصباح الأيون المعلق، عند باب منزل قريب من المكان، حاولت أن أعتق فكرة النور الذي شق العتمة، فانبجست منه حمامة بيضاء، حلقت فوق رأسي، وحلقت أنا، طرت متماهياً مع الجناحين الشفيفين، تماديت في التحليق، كما تمادت الشجرة الشيطانية في بث الرعشة في جسدي.. عندما صرصرت الجدران المحيطة للشجرة، وصاح ديك من خلف فناء منزل مجاور، طارداً الوحشة بقليل من الضجيج المدوي، لامست مشاعر الألفة، اقتربت أكثر من الشجرة، تحسست اللحاء المتعجرف. وخزتني الخشونة الأبدية، نأيت قليلاً، تأوهت، لكن قلبي حدثني أن السدرة التي أحاذيها ليست إلا من بقايا زمن، الزمن الذي تخلى عن أوصافه الحميدة، وانتعل الرمضاء والجحود.. لبثت في مكاني، وراودني فضول قديم من أن الأشياء لا تصبح موحشة إلا عندما تهيم في غربة الأهل والمكان، الناس ساروا بعيداً، ولا أدري أين تقطن الأرواح التي عاشت تحلم بالقرب، وتنهال مفجوعة عندما يغيب امرؤ فجأة.. الآن يبدو لي من وقوف السدرة في هذه الجادة الغريبة، أنها تسخر، ولا أدري كيف تسخر الكائنات الأخرى، عندما يلهث البشر وراء أكاذيب.. الشياطين التي كانت هنا ألم تمت كما يموت البشر، أم أنها تخلد كما هو خلود هذه السدرة.. نظرت إلى العصفور الأصفر، والذي بدا، هو أيضاً، كذرات الجدران الشائخة، المتهاوية شيئاً ما، لكنها لم تسقط، وكأن هناك رهاناً خفياً بين الجدران والشجر، جميعها تموت واقفة عدا البشر الذين يذهبون تحت التراب بلا رجعة.. كم من الأرواح، هنا، ملأت الفراغ ضجيجاً وعجيجاً، كم من الأجساد تزاحمت مروراً بين الأزقة.. صديق حالم بالحياة، مبتهج دوماً كان يلوب في هذا الزقاق، عاشقاً مدففاً، يتبين الحبيبة المختبئة خلف الجدران، ولما يلمح الثوب الشفاف يشهق محتدماً بمشاعر، التهبت مساعرها جمراً، وكان يقول: لا بد للحي أن يلتقي بالحي، طالما بقي نفس في الصدر، ذهب الصديق، بل قضي نحبه، واقترنت الحبيبة بآخر، ولم يكن لقاء، لكن يبقى الحلم، الدائرة الأوسع، للذين يعشقون الحياة. غادرت المكان، ممتلئاً بأشجان تدفقت كالضوء القادم من سماوات مبتهجة، تدفقت أنا بالحنين، واستأنفت المسير باتجاه أزقة ضيقة، لا أدري لماذا فكرت في المشي على الرمل، المجلجل بالحصى وقذارات ما أتلفته بطون القاطنين الغرباء.. وجوه سمراء، غبراء، نزت بالشقاء، تتدافع في الأزقة، طاوية الفراغ الوسيع بأحلام وأوهام، وأنا أحاول أن ألملم شتاتي بين هذه الأجساد المكتظة، وأقتفي أثر الباقيات الصالحات من الأحلام.. أرتاب شيئاً ما من حملقة العيون المدهشة، لكني أتحاشى النظر بل وأخفي وجهي في التراب المبلل، ببول القطط الضالة، وبقايا الفضلات والرائحة العفنة، تظلل رأسي، وتتسرب إلى أنفاسي، بلا حياء.. ما بالي لا أخفف الوطء، ولا أداري لهفتي لرؤية ما لا يستحق المشاهدة، وكأن داخلي المسربل برائحة الماضي، يطفر برغبات قديمة، فهنا أيضاً كانت الفتاة المدللة، التي كانت تهواها القلوب، وتنشق ولعاً نحوها، كنت أحد الذين أتلفهم الوجد، فالصورة كما هي تتجسد الآن، يانعة الوضوح، تتحايل على قلبي بأن أتخلى عن رزانة العمر، وأن أقمع كبريائي، لأستعيد ما مضى، الأشياء التي تبهت عندما تحتك بجديد الذاكرة اليقظة، تبدو صقيلة لامعة، ورائعة أيضاً.. رائع أنا أيضاً عندما نهلت من هذا المخزون الثري وأثريت قلبي بدفق الدماء، لا شك أنني تعهدت لكني أذعنت للرغبة الكامنة هنا أيضاً في هذه الأزقة الضيقة، وخلف هذا الجدار المتآكل، كان الرجل الورع يقرأ القرآن، ويصدح بصوته المجلجل، ليسمع الآخرين جمال النشيد والكون وروعة الحنجرة البارعة في ترتيب المفردات، وكان أيضاً ترتاده النساء المفجوعات بأطفالهن المرضى، فيسدي إليهن النصائح المقدسة، ويكتب المحو بماء الورود والزعفران، ويزخرفه لهن بصحون الحجر الطيني.. كن يبجلنه على الرغم من فظاظته وأحياناً تماديه في مغازلتهن ولكنهن كن يعتبرن ذلك عملاً من أعمال السجود لقارئ القرآن الذي لا يزني ولا يخل بالقيم الدينية، وكان الرجال يحسدونه على طاقته العرفانية التي تؤجل غضبهم ضده، فيختارون التقدير والإجلال، لقامته الدينية.. عرجت باتجاه جادة أخرى، غاصت قدماي في الرمل، المكلل بالحشرات والدواب، وبعر الأغنام التائهة، وفضلات الكلاب الضالة، تاهت عيناي في المكان المهيب بظلاله، الرهيب في وحشته، المكتنز بذاكرة سخية، لا تجود بها الكتب، والأبحاث العلمية لو حاول المجتهدون أن يأتوا بمثلها.. وجدت نفسي عند بيت لا يضم غير مخزن طيني، ودهليز شُيّد من الجص والحجر، ثم دهن بعد حين بالأسمنت، كي لا تتآكل جدرانه.. وقفت مشدوداً كالعابد المبتهل، وقفت وقد تجلت الذاكرة بنجوم تراقصت، وتداولت حديث الروح، واستقصيت الأبدية، القابعة عند جمود الجدران وصمتها.. زخرفت عيني بألوان الطين الأسمر والأحمر، ووسمت حاسة الشم برائحة القديم، العابث بصمته، وكأنه الدورة الدموية المتوقفة عن فعل الحركة.. ضحكت، قلت لو شاهدني أحد أصدقاء الطفولة، سيقول ما هذا الأبله يتحرى زمناً انتزع بريقه، وأفل.. ثم عبست متأثراً بالصرير الذي لا يجد صدى غير ردود فعل قلبي الذي أجل جل مسراته في لحظة التأمل..

كلما أعود إلى البيت، بعد رحلة استقصاء، أشعر كمن يتخفف من حمل ثقيل، الذاكرة عندما تستفز، تصبو إلى تفريغ الحمولة بأي شكل من الأشكال.. وماذا يعني كل هذا الاستفزاز غير أن في النفس تراكمات، تتدفق، مبللة الجسد بالعرق، ومالئة المكان بضجيج.. تذكرت أنك كنت فوقها وهي تشيح بوجوم طالبة الرحمة، بيد أنك كنت ظامئاً وترتاد الجسد المزخرف بتفاصيل مدهشة، بفجاجة الرجال الأوغاد.. تذكرت كما أنك ذاك الوغد الذي وطأك بشراسة، فخذلتك الفطرة ولم تمارس الحب كما أردت، نهضت وانتفضت كالقط بعد معاشرة، لكن هبوطك على جسدها لم يكلل بالنجاح، لأن الوغد انتزع الرغبة من تحت جلدك، فبرد الجسد، رغم حرارة جسدها إلا أنك همدت، واستعصى عليك إكمال العملية بنجاح.. فكرت أن أتفوه بكلمة تلعن الشيطان، وكل الجنود المجندة من الجن، لأنهم لهنيهة لعبوا بعقلك، وعبثوا بمقتنيات رأسك، فلبثت مشتتاً، عاجزاً، لكنك بدلاً من أن تلعن الشيطان، بصقت في وجه الخرافة، وقلت إنها سبب الإدواء، وجلست وحدك على السرير الخشبي المنمق، بالشراشف القطنية، والوسادة المحشوة بالريش، وانتعشت روحك بعطر الجدران المعبقة بالبخور، هذه الرائحة المحببة إلى نفسك ورثتها من زمن الأجداد، وربما الرائحة وحدها التي بقيت صامدة، رغم قوة الصانع التي تضخ أصنافاً تشيب لها الولدان من العطور البخاخة.. لكنك لم تبذل جهداً من أجل رائحة غير رائحة البخور، ويبدو أن للدخان علاقة وطيدة بجسدك، كونه الأقرب إلى لون الغيم، والغيم نذير المطر، والمطر طهر للأرض، وطهر للجسد، ونظافة للروح من رواسب الآخر..

يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #6  
قديم 12-25-2012, 11:35 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

أخذت أنفاسك بشدة وأنت تتشمم الرائحة، وتتذكر صرير الجسد الذي كان يلون نفسه بلون الكرز، ما بين الأمس واليوم مسألة قريبة جداً، لكن القفز إلى الأمام كان عالياً وسريعاً، ما أدى إلى تكسير العديد من أواني القلب، وبعثرتها، إلى درجة أنك لم تعد تميز بين الجهات ولا الشخوص، ولا الأماكن، الأشخاص الذين تلتقيهم الآن ربما لا تعرفهم، لتغير في سيماهم، وتبدل في مزاجهم، والصغار الذين كبروا لا يجدر بك أنك ستعرفهم وكأن الأمر الحادث أشبه بالزلزلة، التي تحرك مواطن الجبال وتقتلع الأشجار، وتهيج البحار، وترعب البشر، فتحول دون الاطمئنان.. عندما تحاول أن تجد شبهاً بين الجزيرة، التي انتزعت منها، وبين تضاريس المدينة تشعر بالخزي، وينتابك شعور بالغصة، لأنه لا شيء يشبه شيئاً إلا إذا كانت المشاعر واحدة، وهناك لا تشعر بهذا المقياس الحراري الذي يؤكد رغبتك، فعليك أن تمضي زمناً حتى تؤلف بين المشاعر المتقدة، وأن تجيد لغة النسيان.. النسيان هذا الكائن الوحيد الذي لا تجيد معاشرته، لأنه يوحي إليك بأن الذين ينسون أو بالأحرى يتناسون، إنما هم هاربون، وهم صانعو الأكذوبة كما صنعوا الخرافة وصدقوها، لذلك، فأنت تكره الكذبة كما تمقت الخرافة، الخرافة التي يجيد صناعتها الجهلة كونهم مذعورين من المستقبل، الأمر الذي يجعلهم يصبغون الحكاية المزيفة كأنها الحقيقة، ولا يسعك إلا أن تخذلهم، وتنكفئ على ذاتك لتحقق نداء الحقيقة..

ولما استقللت الحافلة الصغيرة، وكانت وجهتك المناطق الرملية الواسعة، وكنت تنوي مزيداً من الاكتشاف، لارتكاب معصية المعرفة، ويبدو أنك لا تفكر فقط لمعرفة التضاريس، بقدر ما كنت تريد معرفة نفسك، أي مطاردة ذاك المجهول الخفي الذي لم يزل يسكنك، وتريد أن تلحق به، وتمسك بتلابيبه، لعل وعسى تستريح من وهدة التصدع الداخلي.. الرمل المعتق، اللون الذهبي، الاكتساح الرهيب لفضاء يتسع، ويرسم صورة وادعة، خلدت على مر السنين.. الرمل يوحي لي بأن علاقة جسدية ارتكبت على كل ذرة من ذراته، وأن فضيلة ما منحت لهذا التراب لأن يكون النعيم الذي تأتي منه الأجساد، ثم تعود إليه ذائبة في نسيجه.. عندما تغوص الأقدام، تشعر بالدغدغة، نتيجة لحركة الحبات الناعمة بين أصابع القدمين، وتحس بكائنات غريبة تراودك عن نفسها، فتنتشي، والهواء الرشيق، يغدق عليك بنسائمه الأنيقة، فتشعر بأنك ملك، وأنك تحكم هذه المملكة الخرافية بنفسك ولا أحد يشاطرك النفوذ، تصعد على تلة ثم تهبط إلى قصر، ثم تستريح قدماك، عند منبسط رمل جاف، وقد فرش بسجادة رمادية تميل إلى البياض، بفعل تيبس الملح، مع التراب بعد نوبة أمطار الشتاء التي مرت، وأنت تحلم بهذا التكوين العجائبي ومخلوقاته الفريدة، والآن تفصلك عن جزيرتك المغتصبة مئات الأميال، لكن الحلم أسرع من الضوء، عندما يستوعبك في جناحيه ويطير بك في اتجاه الشرق.. ما يشبه تضاريس الجزيرة بهذا المكان هو هذه السكينة، وأنت كونك رغبت في العزلة، واستهويت مساحتها الوادعة، تشعر الآن بعظم الصيرورة وأنت تطأ الرمل المنقوش بأعشابه البرية، والمرصع بأغصان أشجار الغاف، والملون بوجوه النساء العابثات بسحر الكون.. عند جادة قريبة من شجرة فارعة، لمحت النجمة.. وبرق الفضاء، بوجه امرأة، تحاشت فضول الجائلين بعباءة أشف من أرواح الجميلات الناعسات الكواعب.. استيقظ المارد داخلك، صارع قواك العقلية الكامنة والرابضة عند مربط الإحباط، تمهلت قليلاً، وتربصت بخطواتها، كانت تسير وإماؤها ترعى النوق البيض.. أنت على يقين بأنك لا تحلم الآن وأن الحوريات لا يظهرن في الصحراء، الصحراء فقط موطن الأساطير، ومدونات الطبيعة، لمحت الضوء الخفي يتسرب إلى نفسك، تشجعت، هرولت قليلاً كي تلحق بركابي المتبعثرة بين الرمال، وسدت رأسك على خاصرتي الآهلة، وذهبت تائقاً نحوها.. قلت في نفسك من أين جاءت هذه المهرة، البارعة، كيف انحرفت عن السرح، واتخذت جادة ثانية، المكان لا يبدو آمناً، وبخاصة للنساء، فالطرقات الوعرة مسكونة بالطيش والحماقات، ولا توجد مضارب قريبة هنا، توجست قليلاً، وبدأ قلبك ينذر بخفقات الفزع، لكنك، بدافع من الفضول، فضلت أن تمضي نحوها، وقلت في نفسك ربما تاهت الطريق، فالواجب أن أكون في تصرفها، اقتربت وخزتك بابتسامة بارعة، مرسومة، بإتقان واعٍ وهي تميل بحرير الجسد بعناية فائقة، خفق قلبك، تدفق وعياً شمولياً، وتساقطت على رأسك حبات الاستفاقة، ساورك الظن أن هذه الفتاة من سكان هذه المنطقة، وإنما خرجت للتنزه وشم النسيم.. فكرت في ذلك للوهلة الأولى، كونها لم تستغرب شيئاً في وجودك ولم ينتابها أي قلق جراء اقترابك من مكانها.. لم تنبس الفتاة ببنت شفة، ولكنك تبعتها، سارت بخطوات متئدة، واثقة بدون ذنب الخوف، وأنت خلفها وكأنك ظلها، وقوتك العاطفية تدفعك في اتجاهها، بعفوية الرجال، الكهان، الذين يعشقون عطر المرأة، ويرتوون من نظراتها.. بعد هنيهة، التفتت الفتاة، نظرت إليك بعينين متقدتين، بشعاع مضيء، أيقظ حسك العاطفي، لكنك لم تتفوه بكلمة ولا هي أيضاً، ماذا إذاً تفعل، يبدو أن صمت الصحراء مسح على شفتي هذه المرأة، فزمت بوزها، واتخذت جانباً، تسير بخطوات متأنية، وأنت تلتهب، وتتحرق جمراً، لكن مرت الثواني ولم تفوه بكلمة.. الابتسامة الفارغة لا تكفي، والعطش لا يرويه سراب التصورات المبهمة.. عند شجرة عشبية كثيفة، توقفت، قطفت زهرة صفراء، وضعتها عند أنفها، شعرت بأنها تستنشق أفيون الوجود، ذكرتني بالرائحة.. تذكرت، انتشيت، وكأن الإصبعين اللذين يكتبان اسمهما على جذر الوردة يلامسان أنفها، هي تشم رائحة الورد، وأنا أتفرس جيداً، وأتسلل نحوها، لأشم جسدها.. هكذا وجدتني فجأة قريباً منها، وهي ثابتة، تعيرني انتباهاً تفصيلياً، تتحرى وجهي، وتتهجى التفاصيل، منسجمة مع رائحة الوردة.. قلت بشجاعة، بعد محاولات جادة.. ما اسمك يا جميلة.. ببلاغة الشفتين الدقيقتين قالت.. نيران، وأشاحت جانباً.. نيران..

في أول الوقت، كنت وحدك مستفرداً، بوجود هذه الفتاة، وسط الصحراء النائمة على برزخ أساطيرها، وأقدام الحفاة الذين جابوا بطحاءها بكل سرور، لكن الآن، وقد امتلأت الكثبان بضجيج المركبات ذات الدفع الرباعي، وكذلك الدراجات النارية ذات الأربع عجلات، وكذلك الصبية الصغار، الذين أمسكوا بزمام الجريد المقوس، المعقود من طرفيه بحبل دقيق وصنعوا منه دراجاتهم البدائية، لاهين بين الرمال، وتحت قرص الشمس المستدير، كدوران سقف السماء الحارة.. شعرت بشيء من الضجر، تذمرت كون المنطقة تعكرت بعواقب الفوضى، ونكبت أنت بفوات الفرصة، أو هكذا تخيلت لتعطي نفسك فسحة من الأعذار، التي قد لا تلازمك فيما لو استمر الوضع، كما هو، ساكناً خالياً من أنفاس البشر، بينما لبثت الفتاة تدقق في تفاصيل الصحراء، وترسم على الرمل صورة مثلى لخيالها الخصب كخصوبة الجسد الذي احتوى روحها اليافعة. والجدير بالذكر هنا أنك لا تنوي فعل أي شيء يناوئ الأخلاق، أو أنك لا تجرؤ، وقد تعاقب عقاباً شديداً جراء الإتيان بأي فعل، ومن سيعاقبك هو أنت نفسك، وما إن فرغت الفتاة من الخربشة على سفح الرمل، سألت ثانية: قلتِ اسمك نيران؟

أومأت برأسها، نيران.. ثم أردفت ألم يعجبك الاسم؟

قلت: بل أدهشني..

ولماذا؟

قلت: يا سبحان الله، كيف تتصادف النيران مع النيران ولا تلتقيان؟

ماذا تعني؟

قلت: لا أعتقد أن لقاء حميمياً يمكن أن يحدث بين نارين؟

قالت: وهل اسمك نار؟

قلت: بل النيران في صدري..

ضحكت بجلجلة، مبتهجة.. ولا يسعد المرأة أكثر من إحساسها بفخامة وجلال قدرها لدى الرجل..

قلت: ماذا يضحكك؟

قالت: أنت مهرج فظيع..

شعرت بانتكاسة.. وبخت نفسك إذا لم يسعدها وضعك..

أشاحت نحوك.. عن ماذا تبحث هنا؟

قلت متجاسراً: عن نفسي..

ضحكت قائلة.. يبدو أن هذا عنوان مسرحية هزلية.

قلت.. بل مسرحية جادة..

ضحكت.. وهل وجدتها؟

قلت: ربما.. أجدها..

يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #7  
قديم 12-25-2012, 11:35 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

تابع ..

تحركت الفتاة متشنشلة بجواهر لمعت على حرير الجسد، وتبينت أنت عنق الغزال الأصيل، والتصقت عيناك بالبياض، شعرت بأنك تغدق اللهفة بالقبلات، وتلحس الرضاب بعد فورة من العض، تبتعد هي قليلاً على مدى خطوات، وتتبعها أنت، تحبس الأنفاس، غائر العينين، متحدر إلى عالمك السفلي، متضور تلوي خلفها وهي منتشية بمشيئة هذا اللحاق المزري، ولا تنوي أن تغادر هي المكان، ولا أنت، بإمكانك أن تفارق الصحراء، فأجلت جل هفواتك، واحتفظت نجيبتك أن هذه المرأة مشتهية إلى حد الإنعاش السريري، ولكن لا يبدو أن المكان يناسب انبطاح مثل هذا الجسد، الأرق من ورقة اللوز.. ما العمل؟

قلت أتقطنين في هذا المكان؟

هزت رأسها بدلال جم.. لا بل أزوره مع أسرتي أسبوعياً.. ثم تشير بإصبعها، هناك الخيام الرابضة في الشرق، هي مأوانا..

حملقت أنت، وضعت كفك فوق مستوى الحاجبين، لتبصر جيداً.

زممت شفتيك متيقناً من المكان، شعرت بأنها تململت من أسئلتك البديهية، وهي المتشكلة بمخيلتها الخاصة، شعرت بأنك لم تزل جاهلاً مآرب النساء، أو أنك تحاول أن تنأى عن مناطق الخطر خشية الوقوع في أفخاخ ما بعد الرضا..

قلت في نفسك.. أما بعد.. ماذا في إمكاني أن أفعل فيما لو أناخت لي البعير، وقالت هيت لك نفسي.. هل أستطيع أن أطأ الأرض المحرمة، وأجازف بقدراتي التي لا أثق بها؟

التفتت الفتاة.. نظرت إليك، بعمق، تحرت عينيك وشفتيك، واشتقت أنت إلى فحولة، تمتطي ظهر المهرة القابعة أمامك ولا يبدو أنها صعبة المراس، لكنك، قد لا تفعل شيئاً..

بنبرة هامسة، قالت: من أين جئت؟

قلت: لا أدري، فقط وجدت نفسي هنا على هذه الأرض..

ضحكت.. كانت ضحكتها مثيرة جداً، وملهمة، وقالت: جئت طائراً..

انفرجت شفتاك عن ابتسامة باهتة.. قلت: لا.. بل جئت مستقلاً الحافلة.. وهبطت هنا..

قالت جادة: بلا هدف جئت؟

قلت: أجل.. بلا هدف.. وخفضت بصرك، كمن ارتكب جرماً، ثم انتهيت على صوتها.. السير بلا هدف كمن يفكر في القفز من أعلى إلى أسفل، فإنه لا بد أن يقع، ومن يقع يخسر..

قلت: لقد وقعت من زمن ولا جدوى من النصح..

رفعت حاجبيها، مندهشة، قالت: أأنت محبط؟

رفعت بصرك، نظرت أنت إليها، تمعنت العينين، زارك اليقين، أنها امرأة ثاقبة إلى حد الدهاء.. قلت: الإحباط صنو للإحساس بالفراغ..

قالت.. متحايلة، فخورة، بنعمة الجسد، ولكن هذه الكبرياء لم تخلُ من شعور بالرغبة في ملء الفراغ الداخلي.. أحسست بأنها لا تخلو من معضلة.. لا أحد يخلو من معضلة..

«الفراغ.. تتحدث عن الفراغ، بماذا يملأ الفراغ»..

أنت بنفسك لا حل لديك، شعرت بأنك في هذه اللحظة بالذات، لا مجال لديك للإجابات، وأنت الكاره البغيض للإجابات الجاهزة، كل ما توده الآن كيف تعالج حرقة جسدين، امرأة، اعتدت متكأ، وسلت سكين الرغبة، ورجل، يقايض الرغبة برغبة، ويقاوم كائناً شرساً، احتدت أنيابه إلى درجة الفتك.. توجست أنت، وتهيأت هي، وكلاكما يحطب في صحرائه، لكن أعوادك أكثر صلابة ويبوساً، وهي لا تبدو أكثر صلابة منك، فماذا تفعل.. الآن تشعر بانكسار أشد حدة من ذي قبل.. بعد أن داهمك ذلك الوغد، وحشر جل فجاجته في أغوارك..

لما نظرت إلى ساعة معصمها الذهبية. وقالت تأخرت..

تقول انسلت من المكان كخيط حريري من ثقب إبرة، أو أنها انحلت من خاتم القلب. وجدت نفسك في مأزق. نيران تشعل النار وتدع الحريق يلتهم الكثبان ويطوي نياط القلب بلا رحمة، وما كنت أتوقع أنني سأتعلق بامرأة، كما تشبثت بها، وأعلم جيداً أنني لست بذاك الذكر الذي يمكن أن يستولي على أنثى، ويختطف قلبها، ويحتويها، ويروض مشاعرها، لكن هذا ما بدا لي في الوهلة الأولى، حيث لبثت ساهماً، واجماً، متحسراً، ليس لأنها سوف تختفي عن ناظري، بل لأنني هكذا دوماً، أهيم مع فوات الفرص، الفرص التي تحط وتطير فجأة، وكأن شيئاً لم يكن، لم يكن لأنني أواجه شرخاً مفصلاً لمعضلات التكوين، وعلاقة مباشرة مع اليأس والقنوط، القنوط الذي يجلد الذات، ويحاصرها بحزمة من الانكسارات.. قالت لي أمي ذات يوم: يا فيروز، أنت من صنف الرجال الذين يفقدون الأشياء عندما تكون في مرأى العين وبين اليدين، لذلك لا تمنّ القلب كثيراً بالحظوظ لأنك توأمت الروح مع الفقدان.. ولما لملمت عباءتها وطارت شعرت بأنها كالحمامة التي تغادر العش، في ساعة غفلة من صاحبها، حماقتي هذه ذابت مع الفراغ، ولأن الشمس تلاءمت مع شفق الغياب، وانحسرت في الغياهب المعتمة، فإن الزمن الآن يتوقف.. يا إلهي ما الزمن سوى طية من سجادة. لا نهاية لها، والعمر عقدة في هذا الحبل، والحظوظ تبدو كألياف بعضها مهترئ وبعضها متين، تتفتق عنه انبهارات مبهجة..

ذهبت عنك يا فيروز، بل كنت في داخلك تتمنى أن يحدث ذلك، لأن يقينك يقول إن هذا يحدث لشخص مثلك، عجزت قواه الذكورية عن أن تروض أنثى، وتجلبها إلى حلبة الصراع الكينوني.. كن ما شئت، اصرخ في هذا العراء الوسيع، لن يكون لصوتك صدى، لأنك تبينت منذ البدء قدراتك، وصولاتك ما هي إلا مجرد عواء في خواء.. هي نيران لم يكن بمقدورها أن تفك عقال بعيرها وتخب لو أنها حظيت برائحة جسد تفور منه رغبة السلالات القديمة، هي لم يكن في وسعها أن تعصى أوامر الجسد، لو أنها احتست شيئاً من رضاب ذكوري، يحرك مكامن الروح، ويفسد نداء القيم البائدة، هي هكذا شعرت بما يثبط همم القلب، ففكرت أن تفر برغبتها المجنونة وشبابها اليافع، ونهوض صدرها المتقد، لكي لا تخجل بعد حين من الفرصة الفاسدة..

وقفت وحدك، عاينت العراء، تشدقت بعشب الفصول الناضرة، والتحمت مع الشجر، والتراب، واللون الرمادي ما قبل الغروب، هنا لا أحد يراك سواك، هنا لا كائن ينظر إلى خنوعك إلاك وشيء من الغبطة اعتراك، لأنك لن تتصبب عرقاً مادام لا وعيك لم يشهد سوى أنت.. بدأت الأضواء، أضواء السيارات، تتسلل إلى مقلتيك، تؤذيك لأنك تود في هذه اللحظات أن تختفي، وأن تخفي ما سرقته.. لقد سرقت وضاعة الأخلاق عندما لم تلجم الخيل التي مرت من حولك، وكتمت النيران في صدرك، ثم صرحت بأنها لم تلقنك شهوة الإناث البارعات في التصدي لرعونة الرجال الأماجد.. أوصدت باب الرغبة، وركنت حلماً عند زاوية خلف رمال الصحراء، الصحراء التي تكشف العورات ولا تستحي أن تبوح بالحقيقة، وحدهم الأنذال الذين يمارسون الرذيلة تحت جنح الظلام، وحدهم الخائنون للأخلاق الذين يترددون عندما تفتح الصحراء صفحات التاريخ، وتفسر للأميين معاني الحلم الكريم.. لقد أفرطت كثيراً في التأويل، وتماديت في عصابك القهري، عندما ارتجفت وحملقت في الآيات المتساقطة كالثلج في مقلتي الأنثى الفارعة، لقد كفرت فعلاً، ومن هو لا يكفر عندما لا يشيع سر الرغبة أمام أنثى تمادت في الصهيل الداخلي حتى احترقت أعشاب الصحراء، وتهاوت أشجارها إجلالاً وقدسية لما يكمن في الباطن.. ما كان لنيران أن تقول لك هذا مربط الفرس، فخذ بإرادتك ما تشتهيه النفس، لا.. لا يمكن أن تفعلها حواء الأصيلة..

تساقطت النجوم، وهوت السماء على رأسك، وحمم بركانية انفجرت فجأة، احترقت أنت، حيث رفع الغطاء عن رأسك، ونامت الأرض، وتحايلت الأشجار على الوقت لكي تصمد لكن أنفاسك الحارقة بعثرت الأوراق، وانشق الزمن عن فضيحة كونية لا يمكن سترها.. حثثت الخطى، سرت في الدهاليز الرملية الوعرة، تشعبت تائهاً، ضائعاً، لا تلوي على شيء، لعنت هذه السيارات التي سورت الطرقات بالضجيج والفوضى العارمة، لكنك لا بد أن تعود أدراجك إلى منزلك، حيث الهدوء والسكينة.. ماذا تريد من صحراء، تجثم على الصدر كأنها الوغد الحقود.. شعرت بحقد دفين تجاه نيران أحسست بأنك لو أمسكت بعنقها الرهيف، وضغطت على الشرايين حتى طفر الدم من فمها، ولازمك هذا الشعور وأنت تجرد الطريق، وتصطبر على الوعورة المنهكة، حتى تشاء أن تصل إلى الجادة الأسفلتية، وهناك تستقل أي حافلة أو أي حمار أو ما يأخذك إلى مأواك..

توقفت كثيراً، والرطوبة تغسل جسدك، ولا تعلم إن كان الماء المالح المتصبب من جلدك هو نتيجة لتوترك أم أن الحر القائظ يندي حتى لحاء الشجر.. المهم أنت الآن لا تفكر في شيء سوى أنك تعود أدراجك، وبأقل الخسائر.. خسائر ماذا، لقد خسرت وطويت سجادة الفقدان، واختفت نيران إلى الأبد.. وأنت من أنصار الأبدية، فكل شيء في حياتك أبدي وسرمدي، لا نهاية له، واعتنقت الفكرة منذ أن غادرت الجزيرة وأيقنت أنه لا رجعة ولا نهاية للاحتلال، مادامت المسافة بين الضفتين أصبحت تقاس بحيل التاريخ، ولا يملك التاريخ غير الأقوياء..

وأنت في سيارة الأجرة، والرائحة النتنة تنفخ رأسك، وتدمع عينيك، حاولت أن تهرب، من دخان الإبط العفن المجاور لأنفك، فتحت النافذة، لعل وعسى، أن تحفظ الود مع السائق وألا تتهور، وتلطم خده المتورم، بغليون البان، وتصبح الفضيحة مجلجلة أو قد يعيد لك الصاع صاعين، ويغيبك عن الوجود بضربة قاضية من ساعده الأشبه بالجذع.. طفت بين البساتين الضالعة في الخضرة، بعشبها الشاب، وأشجار نخيلها السامقة، وكان السواد يسيطر على المكان، ما عدا بعض الأضواء المنبعثة من البيوت الرابضة في المنحدرات النائية، والهواء الرطب يلفح أرنبة أنفك فتغريك الرائحة، تود لو أن الطواف يستمر إلى حين، ولكن من دون هذا السائق المتمرس جيداً في نشر قطرات عرقه، مبثوثة مع بصاقه، وأنت كثير التمني، وكثير الإخفاقات في البيت وأنت تهبط على السرير، وتخفي ساقيك بالشرشف القطني، تمارس الغيبوبة المفتعلة، مغمضاً عينيك، تريد أن تستعيد شريط الذاكرة، تكرر المشاهد الخلابة، وترسم صورة مثلى لتلك الفتاة الأسطورية، تقرأ عينيها الواسعتين، وأنفها الدقيق، وشفتيها الليميائيتين، وقوامها الأنيق، ومازالت رائحة عطرها تعلق في أنفك أو هكذا تصورت، ومازلت أنت على موعد مع حلم لن يطوى سجله طالما حاصرتك كلماتها ونظراتها، بقيت هكذا، موشحاً بتأملاتك، راشحاً بالأفكار والأمنيات قابعاً على سريرك كالأرنب المذعور، ولا تدري لماذا ترتجف أطرافك، على الرغم من ذهاب مصدر الخوف.. نيران، لم تزل تخالجك وتسكن بهالتها على السرير، تقترب منك، تهدهدك، وتشاغبك، وتقاضيك على مشاعرك وأنت تتسلح بضراعة الضعيف، ثم تؤنب نفسك لماذا لم أفعل كذا، ولماذا لم أقل كذا، ولماذا تركتها تهرب من بين يدي، وتذوب في الخلاء، كالوهم.. لم تكن خيالاً جامحاً، بل كنت واقفاً، وكانت تؤدي مقدمات بديهية، للتطهر من رذيلة الشهوات المكبوتة، لكنك خذلتها عندما أمعنت في ليّ الحقيقة وطمس ما كان يغلي في جوفك الملوث.. أنت يا فيروز كنت في جحيم صراعك، كمن حوصر بين طيات حريق، كنت تريد ولا تريد، لذلك أفلتت منك، هربت وتركتك عارياً، تسح بعرق الندم، أو نزيف الأسى يغرق كيانك، تريد الآن أن تنام، تريد أن تغسل عارك بالندم، وإخفاء البثور التي طفت على جلدك، بهذا الشرشف القطني. فهل وطأك حقيقة ذاك الوغد؟ أم أنك تخيلت متوجساً، واعتنقت الفكرة، لمجرد أنك مارست رغبة اللاشعور، لتلبي نداء الطفولة، الذي زرعته أمك في قلبك..

يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #8  
قديم 12-25-2012, 11:36 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

--------------------------------------------------------------------------------

.. تابع

تثاءبت الأرض، وقطعت الأشجار أغصانها، ومدت الأعشاب لسانها، تلحس ندى الصباحات المنبعثة عن فضاء نبيل.. عودة على بدء، جئت هنا في نفس المكان، تبحث عن نفسك، عن شهقة ضائعة، وعن نبضة هفهفت في الصور، جئت تدفعك قوى خفية، لئلا، يتكاسل الوعد، وتذوب التي تعلقت بها إلى الأبد.. الأبد هذا الامتداد اللانهائي، هذا الحلم الذي لا تنفك حلقاته من سرد الحكايات الأولى لتتلوها بأخرى.. وقفت عند ربوة، كأنك المؤذن في منارة التصريح الأخير، وقفت تستجدي الوجود ليحكم قبضته على غيمته، ويستدرج المطر، وشيء ما يغلي، شيء ما تدور رحاه، وتطحن نفايات، وقشور أزمنة، حرضتك كثيراً ثم تخلت عن مد الخطى نحوك.. المكان في الصباح يبدو خالياً من دخان السيارات، خاوياً من القحاف البيض، ولا يعالج مكر الطبيعة غير الضوء والرائحة.. ضوء السماء المزخرفة بزمرد السحابات البيضاء، ورائحة الأرض، بعد النوم، تبدو الأغشية الترابية كنسيج جلد امرأة، راعفة بغفوة ما قبل الصحو، الأرض تسترخي بسكينة وتنتهي إلى فراغاتها لتبلع أسمى آيات الخلود.. لو حدثت أحد أصدقائك القدماء عن المرأة التي رأيتها واختفت فجأة، سيقول لك، هذه القديسة أم داس، أو كما يحكى عنها أم الدويس، وسوف يحذرك من التعاطي معها، لأنها جنية خطيرة، تستدرج الرجال إلى مخادعها، ثم بعد أن تمضي أرواحهم، تقطعهم أشلاء، وترميهم في الصحراء لتنهش جثثهم الكلاب، وربما تعاطف معك أحدهم، وقال إنها من عطاءات السماء عندما ترضى عن مخلوقاتها.. تبهت أنت، وتغضن حاجبيك، مستعيناً بالصبر، ولكن قلبك يحدثك أن ما رأيته لم يكن إلا امرأة إنسية، بدمها ولحمها وشحمها.. تحاول أن تتمالك نفسك، وتقبض على تاريخك الطويل، في تلاوة علوم علم النفس، وترفض أن تخنع لما تتداوله الألسن عن القديسة أم داس، وعن حكاياتها مع البشر، ترفض ذلك. لأنك لا تؤمن بالخرافة، ولأنك أيضاً لا تريد أن تكون نيران غير نيران التي رأيتها وتفرست في وجهها، وقرأت تفاصيل جسدها.. قلت في نفسك لماذا يتعمد الأوغاد إفساد جمال الطبيعة، وتخريب المشاعر واغتصاب الفرحة، والاعتقاد دوماً باللاماورائية التي لا معنى لها غير أنها تشيع الفرح لكونها أشياء لا ترى بالعين المجردة.. انغمست في التفكير، فكرت ملياً، تمعنت في العراء الذاهب بعيداً في البصر والبصيرة، اقتعدت حجراً بجوار شجرة وارفة، تأملت النمل الأبيض، الراكض بسرعة فائقة، المنتظم في صفوف متراصة، وكأنه في طابور مدرسي مهذب، تحاشيت قرصه، فرفعت قندورتك إلى ركبتيك وحرصت على ألا تقع قدمك فريسة لأضراس هذه الكائنات، والحادة، والشرسة، ملأت عينيك بمناظر الصحراء، وبالأشجار التي صمدت منذ مئات السنين ولم تبلَ، ولم تكل عن منح الأرض ظلها، تفانٍ منقطع النظير لا مثيل له، عناق أزلي بين الشجرة والأرض، ولم تأخذ الشجرة من الأرض ما أخذه الإنسان، لكنه الجحود الذي سرعان ما يخون ويخذل، ويرتكب الرذيلة، ضد ترابه الذي منه جسده.. يا رب السماء أحقيقة أن جسد نيران من تراب الأرض؟! أيعقل أن تكون نيران خلقت من هذه السبخة والغبار؟! شيء ما في جسدها يؤكد أنها أنثى من معدن نفيس، وأن نهديها المنتصبين، المكورين على الخلود ما هما إلا نجمتان تلاقتا ليلاً، ففاجأهما، الفجر، فلم تصحوان فاستقرتا على صدر هذه الأنثى.

تقول إنها حكاية قديمة، تقول إن صاحبك، الذي أخبرك عنها، كان على يقين مما سرده، وحكاه بالتفصيل.. أم داس القديسة، أو القديسة أم داس، عربدت كثيراً في هذه البلاد، واختطفت أجمل الفتيان، بالفعل قال لك إن هذه الجنية كانت تنتقي الشباب ذوي الطلعة البهية، والقوة اليافعة، والصدور الناهضة بعضلات منتفخة في مقدمة البدن. لكنك أنت رجل ضامر، صحيح أنك مازلت بعافيتك، ورونق هيئتك، لكنك لا تملك المحسنات البديعية التي تشتهيها أم داس، فلماذا إذاً تتوجس، ففي هذه البلاد الكثير من الخزعبلات، والخرافات، والأساطير التي لا تمت بصلة إلى الواقع.. وأنت تدعي أنك عالم ضليع في التحليل النفسي، فلماذا تذعن للخرافة؟ ولماذا تمنحها الفرصة كي تستولي على مشاعرك، وأنت الذي قطعت عهداً على نفسك بأن تقطع الصلة بالخرافة والمخرفين، وتنزوي بعيداً، تبحث عن نفسك في هذا المتسع النضر، وفي خضم الصحراء النبيلة، أنت بالفعل عشقت نيران، اندفعت إليها بقوة، تلبست بها، لكنك لا تستطيع أن تذهب أبعد من ذلك بكثير، لأن الكثير من الولوج سوف يكلفك ثمناً باهظاً وقد تخسر نفسك.. كانت على يقين من أن قدراتك لا تحملك على تنفيذ خطط تريد أن تثب فيها حالاً، أنت مازلت تواجه جداراً سميكاً يقف دون تحقيق ما تريد، عليك أن تتريث وأن تصمد، وأن تتحدى نفسك أولاً، فهل تستطيع؟ لا أعتقد الآن وربما في المستقبل المنظور أو البعيد..

أمام هذه الأنثيالات تتجلد، تواجه انكسارك بشيء من الصبر، لا بد أنك شعرت بأن نيران لمست موضع الجرح، والذي فعلها هو ذاك الجندي الأهوج وليس أمك.. الجندي الذي تجلى كالوهم، وربما هو الوهم ذاته، حين اغتصب اليقين وراح يضحك ساخراً من جبنك.. أنت الآن فعلاً تخوض حرباً شرسة بين الشهوة والروح، الشهوة العارمة، المنتفخة، المحتقنة، والروح المهيمنة، المتخشبة، أنت فعلاً تريد أن تطور نفسك، لتخرج من شرنقة الاضطهاد الداخلي، تريد أن تطير في الفضاء كالفراشة، تريد أن تسبح في العراء كما الحلم، تريد أن تتحرر، ولكن الخطأ الذريع الذي ارتكبته هو عندما زاوجت بين الخرافة والعلم، وبين الحلم واليقين، وبين التاريخ والزمن.. التاريخ نحن الذين نكتبه وكثير مما كتبناه زائف وخرافي، وأحياناً متعالٍ، وكاذب. أما الزمن، فهو الحقيقة التي تقطن داخلنا، فيا ترى ماذا يحصل في العالم عندما تتساوى الكذبة بالحقيقة، فلا بد أن تنتكس الحياة، ولا بد أن تتهيأ السماء، لالتقاط بقايا ما طرأ من صراع.. أنت تتصور أن المرأة جنس مغاير لجنس الرجل، وهذه مفاهيم قديمة أنت تجترها الآن، وبعد اجترارها، كونت معرفتك الخاصة، التي تخاصمت فعلاً مع معرفتك العلمية التي نهلتها من الكتب..

الآن أنت تستمع إلى همس الوريقات الرهيفة، وتنظر إلى الخلاء، هو في الحقيقة لا يبدو خلاء بحت، بل إن مضارب الزائرين تملأ المكان، رجالاً ونساء، وصبية، يغطون في الأمكنة المتفرقة، ويستيقظون متأخرين ليباشروا نشاطهم المسائي، وبالأخص الشبان والفتيات، عالم هؤلاء عالم الأحلام، وفي المساء، وبعد العتمة، تتهيأ الصور الخيالية للرسو عند الجفون، وينتشي الحالمون، ينتشون ويفتشون، عن مراسم لتخليد هذه الذاكرة، الحية، والمستقرة.. وأنت بعد أربعين عاماً تعلمت الكثير، وجلت في الكثير من البلدان، وتعرفت إلى نساء، ولكنك لا تذكر أبداً أنك مارست الحب مع واحدة منهن. ولا تعتقد ذلك تعففاً، ولكن يبقى السؤال لديك مطروحاً، ومفتوحاً على آخره.. تريد أن تتحرر من هذا الوهم الخرافي أنت تعرف أن كل ردود أفعالك ضد المرأة مجرد أوهام، لكن الأوهام، كيف يتم طردها، كيف تستطيع أن تهزمها، وأنت مازلت تبحث عن المجهول.. ما المجهول؟ أتعرف ما هو الشيء الذي تريد أن تصل إليه؟.. بالتأكيد لا تعرف، ولذلك سيظل ترحالك طويلاً، والبلاد التي سوف تمضي نحوها سوف تقربك، أو تقصيك، لكنك سوف تمضي بإيمان راسخ أن الحقيقة التي تبحث عنها ليست عندما تنظر إلى البيوت المتنافرة، بعضها شبه أعشاش، أصحابها شيدوها لمجرد الاستيلاء على بقعة الأرض، وبعضهم اعتنوا بها، فتميزت بأناقة أصحابها، ولباقة العاشقين للصحراء، فتجد بعض الأفنية محاطة بالأشجار، مزخرفة بأرصفة محسومة بحجر السيراميك، أو أصلاب الحديد، وترى أيضاً التنانير، بعضهم يعشق شي سمك القابط، وتقشير جلده، بأناة وتؤدة، ويتلذذ بلحمه الأبيض الهش، والأشبه بالقشدة الطازجة، تنظر إلى حولك، تجد عربات رباعية الدفع بدأت تهرب، وتشيع الضجيج، وتأملاتك لا تنتهي، وأنت تتلفت يمنة ويسرة، فقد تبزغ نيران، قد تهبط فجأة، كالحمام البري، لتلتقط من حبات القلب نزقاً، معرفياً وعرفانياً، يحيق بك وبها.. لا.. لا أنت لا تريد أن تمسها بلهفة ولا نبضة، تريدها فقط أن تتأمل الوجه الحسن تريد أن تتمعن في تضاريس الجسد، وتسجل ملاحظاتك عن التغير الذي طرأ على الناس، وكذلك المكان.. الناس هم الذين غيروا المكان بعد أن تغيروا.. واستبدلوا أشياءهم الصغيرة بأشياء أخرى، كبرت الأشياء كما كبرت الحاجات، وتعقدت أيضاً..

في البدء عندما تأملت وجه المرأة، وأمعنت في النظر إلى حركات يدها، وتوتر أصابعها، حسبت أنها يائسة، وبالفعل تضامنت معها، فكرت أن تقترب منها بفضول ذكوري، لمحت في عينيها بريقاً أنثوياً غائراً، لمحت حكايات قديمة مطموسة تحت الجفنين، لكن جفنيها في الحقيقة لم يكونا ذابلين، ويبدو أن الجمال الرائع الذي تمتعت به أخفى كثيراً من يأسها، معظم الفتيات في هذه البلاد يائسات قانطات، مفعمات بخيالات مزدهرة بأحلام مبتورة.. الآن انقلبت الحال، فبعد أن كانت الفتاة تتزوج في سن الرابعة عشرة، وقبل ذلك، صار الزواج محنة، عناء بالنسبة إلى الفتاة، الواحدة منهن لا تحظى بشريك الحياة إلا بشق الأنفس، وإن عثرت عليه فإنه يأتي متأخراً بعد أن يذبل الجسد أو يشارف على الخمود، ولكن التي رأيتها لم تتجاوز سن الثامنة عشرة أو نيفاً، ولكن هذا لا يبرر أبداً زوال القلق، القلق رفيق كل فتاة عندما تبدأ في نزف الدورة الشهرية، وتتوافد الأحلام، تقطرها بسيل من المشاهد الليلية المبهجة أحياناً، والمبتسرة أحياناً أخرى، المهم في الأمر أن الفتيات يعانين كثيراً، ويخسرن الكثير من وهج الشباب إثر التفكير العميق، في شريك الحياة، الذي لا يأتي في أغلب الأحوال. لست وحدك الذي يصاب في أغلب الأوقات بالحسرة، ولست وحدك الذي يمارس جلد الذات ليل نهار، فالبلاد التي نشأ أهلها على الأحلام المبتورة لا بد أن يواجه أجيالها المتعاقبة مثل هذه المشاعر المكسورة، تسقط الأشياء الجميلة بين أيدي الأجيال كون المجتمع يمضي بقفزات متلاحقة، ويحقق بعض النجاحات وكثيراً من الإخفاقات، إخفاقات تحفر الفجوات بين المراحل، وإلا لماذا يهرب الناس من جديد إلى الصحراء، لماذا يستعيدون الماضي بين أفنية بدائية، يفترشون التراب، ويلتحفون السماء، ويتحملون لدغ العقارب، ولسع الرطوبة الخانقة، وشم الأرض اليباب، لا توجد هنا أنهار محفوفة بالبساتين، ولا توجد هنا غابات، وأحراش، كل ما هناك بطحاء رملية قاسية، ترقد منذ أزمنة تاريخية بعيدة، وإلى حتى الآن، لم ينبت شعر شبابها، أو يستقيظ فحل يفوعها.. تتذكر أنت الفتاة اليافعة وتلهج بالأسى، كونك لم تقترب أكثر من نيرانها، فقط أنت حسدتها على رونق الجسد، ولم تتقصّ ما يجيش في الداخل.. هالك جداً ذاك الجسد البض، ونعومة الأصابع التي لوحت بها كأعواد اللوز النبيلة. ورحت تتأسف على زمانك الذي لم تقطف من أغصانه غير الشوك.. فهب أنك حظيت بامرأة طيعة لينة، وقالت لك في لحظة غيبوبة، هيت لك نفسي، فهل ستفعل كما تصير الضواري إلى الفرائس، أم أنك ستتريث، وتتأمل أولاً ثم تتلو التفاصيل، وتضع أصبعك على أعلى جبل في بستانها المزدهر، ثم تقول لها، أريد أن نتجانس معاً.. ثم تمارس الحب.. وأنت تعلم أنك لن تفعل شيئاً، أنت سوف تغوص في الغيهب، وتبحث عن نفسك وحتى تصحو ستكون الأنثى التي بجوارك قد انتزعت نزعاً وغادرتك إلى الأبد.. تتأوه الآن، تقبض على قلبك، تعصر عضلة الصدر بعنف، وتنظر إلى الخلاء، وتقول في نفسك، من هناك جاءت، ثم حلت زائراً خفيفاً، تطل، ثم ذهبت، لا تتصور أنها ستعود، لأنك خذلتها، لأنك أطلت كثيراً في السرد، وتركتها تقضم أظافرها تلفاً، ثم تزم شفتيها، مجلودة بفورة الدماء الحارة.. أنت تفكر كثيراً، وتفسر وتؤول، وحتى تستقصي الحقيقة، تكون أنت قد ضعت في التفاصيل.. ألم تسمع قصة العاقل والمجنون؟.. المجنون تزوج وأنجب الأطفال، بينما لبث العاقل يفكر ويدبر، حتى فوات الأوان، ولم ينجز أي شيء.. قد تضحك أنت من هذه الحكاية، وتسخر، لكنك لا بد أن تفهم أنك بمحض إرادتك تخسر نفسك..

تشعر الآن بعهد المكان، تتوقف عن العويل، تتوقف عن جلد الذات، وتنتصب، تود أن تغادر المكان إلى غير رجعة، فما بالك تفكر في أوهام، ربما كانت تلك الفتاة مجرد وهم، ربما كانت كائناً من كائنات الفضاء، فلا تدعي أنك تعلم بواطن الأمور، وتغادر، تدع الصحراء وحدها تلملم شتاتها، وتسقي أشجارها من عرق العراء المبلل، تذهب عند طرف الشارع تنتظر حافلة تقلك إلى أي مكان، لا تلوي الآن إلى أي جهة، المهم أن تهرع بعيداً عن الصحراء، وتتحرر من تصوراتك، البوهيمية.. أنت بالفعل بوهيمي التطلع، وتحتاج إلى زمن كي تستعيد نفسك وتصل إلى درجة التباين ما بينك والأشياء غير العاقلة.. أحياناً تشعر بأنك تهيم في فضاء خارجي، وأحياناً تحس بأن كل ما تفعله مجرد هراء، لا داعي للتمادي في فعله، وأحياناً أيضاً تمارس ضد نفسك الاضهاد وتغلب عليك الرغبة في جلد الذات، وكل هذه أفعال تعطل كثيراً من تحقيق أهدافك.. حتى اسمك، لا تريد أن تبوح به، ولا أن تجاهر به، فتستحي أن يسمعه غيرك، وكيف يمكن لإنسان أن يعرف نفسه ويدون اسمه، أليست هذه مهزلة، أنت تمارسها ضد نفسك عندما تشمئز من سماع كلمة فيروز، وتقول إن هذه الأسماء تطلق على أشباه البشر.. أليست هذه مفاهيم متعجرفة وبائسة تستحق البصق، وصفع أصحابها؟ عندما لا تتأنى في تفسير ما يلقى عليك من مفاهيم تصبح كالطفل الشرير الذي يريد الأشياء جاهزة، وطيعة ومتاحة دوماً..

قلت إنها ليست عاهرة.. بالطبع هي ليست كذلك. ولكنها كانت راغبة بحزم وصرامة، الرغبة في ممارسة الحب، هي طهر، يتحلل الجسد في بث الرغبة بطلاقة من عفن الاحتقانات، وتنتعش الروح من كبوتات خانقة.. لا شك في أن الإنسان لا يحقق وجوده إلا من خلال تلك الممارسة النبيلة، بين رجل شبق وامرأة متشهية إلى حد الغيبوبة، غيبوبة النهايات القصوى، ذروة الارتعاشة الفانية.. عندما يفنى جسدان في مسيرات الشهوة العارمة، السماء تبتهل في عرفانية غامضة، وكذلك الأرض تنشأ ضارعة لهذا الولوج الأسطوري.. كانت يافعة إلى حد النضج الملتهب، وكنت أنت تتحرى التفاصيل في نشوة بالغة الخصوبة. للمرأة عينان، عين ترى فيها نفسها وأخرى ترى فيها الآخر.. بينما الرجل له عين واحدة، لا يرى فيها إلا نفسه.. كانت نيران ملهوفة، مندفعة متدفقة، وكان تحت كل ذلك حذر شديد يحرس مشاعرها المتفاقمة هلعاً، وكنت أنت بلا حراس يحفظون توهجك العاطفي، لذا أسفت كثيراً عندما لملمت عباءتها هاربة من المكان، كان يتبعها توجسها وعيناك الشاخصتان، في الفرار الرهيب، شعرت أنت بالخذلان، لعنت الشيطان الذي حال بينك وبين تنفيذ الرغبة الجامحة، لعنت الناس، لعنت الوجود، لم ترَ في تلك اللحظة غير نفسك، ولم ترغب إلا في إرضاء هذا المتضور تحت جلد الجسد، امتعضت كثيراً، وأيقنت أن ما جعلك تمقت الآخرين، وتكره التواصل هو هذا الجرح الغائر، النازف حثالات وغروراً، ولاءات لا تعد ولا تحصى، أنت تفكر في عصر بوهيمي، يفتح لك نوافذ الرغبة بلا امتناع أو امتقاع، والآخرون كذلك كل واحد يريد أن يعيش هذه الحالة، ولكن لكل واحد فريضته التي يؤديها، ولجامه الذي يضعه في عنق الرغبة، أنت فقط الذي لا تطيق أربطة العنق لأنها تضايقك، تلجمك، تحبطك، تقيد نزواتك.. نيران لم تكن معتصمة بحبل الله كما تصورت، لكنها المسكينة مرتبطة بعقد اجتماعي متين، لا يلين، ومحاصرة بحزمة من القيم التي تجعلها قديسة، تكره ممارسة الحب، إلا بالطرق التي تتم فيها عبر رجل اللحية الكثة وشهود العيان.. في لحظة سانحة توحدتما ولكن، فجأة انبلجت سهام القيم متحدية ما كان يجوس في صدر الأنثى، ففرت، طالبة حبل النجاة.. عندما نظرت إلى ساعة المعصم وقالت لقد تأخرت، تأكد أنها لم تكن ترقب الوقت بقدر ما كانت تتهجى تفاصيل الزمن، وما خطه على جبينها من تعاليم وتلاوات وحروز مبهمة ومحكمة.. عليك أن تفسر ذلك، وأنت عالم النفس الجهبذ، وأن تتقصى حقيقة ما فعلته الآنسة المجلودة بسياط الشيطان الرجيم.. تفكر في نفسك، تتحسر على حظك، تلعن الهروب المزري، وتكيل السباب لمن خض قلب نيران بالخوف، ثم تتوقف دون تحليل دقيق لما يجري، في باطن الأمور..

يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #9  
قديم 12-25-2012, 11:37 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

تابع ..

تشعر بفراغ يطوق عنقك، تريد أن تفك عقال البؤس، تريد أن تلجأ إلى أقرب صديق، يرفع عن كاهلك كل هذا الاحتقان، تتذكر صديقاً قديماً كانت لك معه صولات وجولات وحكايات وقصص إنسانية جمعت بينكما.. تريد أن تطير إلى مكانه في صحراء مجاورة، في مهجع قريب.. تتذكر هذا الصديق.. تراهن على صداقته، وقدراته الفائقة في حل مثل هذه العقد الشائكة.. صحيح أنك عالم نفس وقد تكون تشربت بالفلسفة ما يجعلك أشبه بالناسك، لكنك لا تفهم كثيراً في نفوس النساء.. النساء، كما قال لك هذا الصديق في ذات يوم: «الخيل تريد خيال والمرأة تريد ريال»، فلا يطأ المرأة كل من هب ودب، ولا يروض لجامها إلا رجل يعرف كيف يضع إصبعه على مكان الضعف الذي يجعل المرأة الجامحة تنيخ ركابها، وتذعن للراغب في ولوجها..

في مزرعته في الدقداقة، التي يرتادها منذ عقود من الزمن بعد أن هجر الناس جميعاً، فكرت مداهمته.. أبو سيف هكذا أطلق على نفسه هذه الكنية رغم أنه لم يتزوج ولم ينجب قط، فهو أيضاً يكره الزواج، ويعتبره شيئاً من الجنون أن يحاصر الرجل بذراعي امرأة واحدة، لا ينفكان عن عنقه إلا بموت أحدهما.. وهو كان يقول إنه لا يجب أن يموت، بل يعشق الحياة كما يعشق الحرية.. اتهموه بالمجون والزندقة والهرطقة، لكنه لم يهضْ جناح الذل للألسن الطويلة، كان يعتبر ذلك ضرباً من ضروب الجهل..

لم تكن زرت المزرعة، منذ زمن، وتكاد تنسى معالمها، لكنك أصررت على المغامرة، واندفعت باحثاً عن مكانها، كاندفاعك في البحث عن أبي سيف.. مشيت على قدميك، بعد أن انطلقت من الحافلة التي أقلتك حتى الشارع العام، بالقرب من المحلات التجارية، نزلت في الوهاد القاحلة، المحاطة بالمروج، وبساتين النخل، والبقاع الزراعية المفروشة بأعشاب البرسيم، وكذلك الغليون.. تتلفت يمنة ويسرة، فأخذت جادات الوعورة في التيه البغيض، الوقت الذي بدأ يغمض عينيه، ويسترخي تحت غشاء شفيف من الظلمة، والتي بدأت تزحف شيئاً فشيئاً، وأنت في عجلة من أمرك، خشية من أن الظلام يخفي ما حفظته من معالم قديمة عن المزرعة، قابلك ضوء خافت، أطل من بعيد، ويبدو أن قرص النيون المضاء غير مثبت في جدار، فبدا متمايلاً، راقصاً، كشيخ عجوز يتهاوى في قعر وادٍ، أبديت استعداداً على مواصلة الطريق، مهما بلغ الأمر من صعوبة، فلا مجال للتراجع الآن، بعدما قطعت مسافة لا بأس بها.. مررت على البوابة المضاءة، نظرت إلى السواد الداخلي داخل الحزام الحديدي، قلت ليست هذه مزرعة أبي سيف، فهو لم يحط مزرعته بالأسلاك، بل تركها مسيجة بجدار طيني خفيض، وكان يقول إن للطين مزاجاً يأتلف مع مزاج من يريد أن يتفقه في علوم الطبيعة.. إذا تابعت الطريق شعرت بترهل ركبتيك، وتصبب العرق من جسدك، تحاول أن تخفض من لوعتك بالغناء، وتتذكر كلام أبي سيف عن صوتك الجميل الذي كان يطربه، وكان ينقر طبل الصفيح بضربات خفيفة منسجماً مع ترنيماتك الشجية.. تعرج في اتجاه آخر، تبدو لك مزرعة قريبة، غير مضاءة، وما تراه مجرد مساحة واسعة تبرز من جوانبها أشجار عالية، مضيت وأنت تلهث، توقف غناؤك، وأنت تقول يبدو أنها هي.. هذه مزرعة أبي سيف، وانفراج أساريرك ذوب التعب، ونشف العرق قليلاً، لامست جبينك نسمة ناعمة، داعبت روحك، اقتربت من المكان، قلت مبتهجاً، أجل هذه هي إن لم تخني الذاكرة، الجدار الطيني الخفيض يحيط بأشجار النخيل، وكذلك تلك السدرة الوحيدة التي يتباهى بنبقها أبو سيف، كان يقول عنها: إنها سدرة أسطورية، فهي تثمر شتاءً وصيفاً، ولا يمخر عظم ثمارها أبداً.. وقفت أمام الباب، المحكم بالرتاج الحديدي، صرخت بصوت وئيد، وأنت تتلفت خلفك، كان صدى صوتك يذوب في العراء، حاولت أن تقترب من ثقب في الباب الخشبي، لا توجد إضاءة، الغرفة الوحيدة، المحروسة بالأشجار الكثيفة، لا تكشف عن سيئات هذا الماجن، يبدو أنه يغط في أحلام يقظته، يبدو أنه غادر المكان إلى مكان آخر، ولكن أنت متأكد أن هذه المزرعة هي لصديقك أبي سيف، وهو لا يبدو أنه ينتقل إلى مكان آخر بعد حلول الظلام.. ما العمل إذاً.. هل ترفس الباب المتهاوي، وتلج المزرعة دون إذن مسبق، فقد يفاجئك بضربة على رأسك وينهي كل هذه المشقة، ففي مثل هذا المكان، وفي هذا الوقت بالذات الناس متوجسون، وأنت تعرف أبا سيف، يكاد يشك حتى في نفسه في مثل هذه الظروف.. تصرخ مرة ثانية.. أنا فيروز، فيروز أنا، جئت لزيارتك يا صديقي.. إن كنت هنا أجبني.. شعرت بأنك وكأنك من رجال خفر السواحل، أو حراس الشرطة..

يجيبك.. من على الباب، تفضل.. تفضل.. ولا يبدو أنه سمع اسمك عندما صرخت وقلت أنا فيروز..

رجل بثياب مهدلة، سروال فضفاض، وقميص التصق على صدره مبلل بالعرق، جاءك لاهثاً..

ولجت.. وقلبك يهتف مستريحاً، حيث أيقنت أنك حققت المراد، شعرت وكأنك نزلت من علو شاهق، بواسطة حبل مهترئ، وتلقفتك أرض ترابية لينة ولم يصبك أذى، استقبلك استقبال الأبطال.. قال في لهجة فرحة.. لله درك كيف عرفت المكان بعد هذه العقود الزمنية البعيدة، لم يخطر ببالي أنك تتذكر صديقك وتزوره في هذه العتمة البغيضة.. صحيح أنها ليلة مباركة.. كنت باهتاً، لا تنبس بكلمة، وكنت متعباً، تريد أن ينقذك كأس ماء، يلطف مزاجك، كنت تريده أن يدعك تستريح، ولا يباغتك بالأسئلة، لأنك كنت على يقين من أن الليل طويل، ومجال الأسئلة يأتي لاحقاً.. اتكأت على المسند القطني، ونظرك جامداً باتجاه السقف المسقوف بالجريد، وجذوع النخل.. قلت له: اسعفني بالماء..

تتناول الكأس، دلقت ما في جوفه دفعة واحدة، وأخذت نفساً، قلت معاتباً: كيف تسنى لك أن تسكن في هذه البقعة النائية كل هذه المدة الطويلة.. ألا تخشى من الوحدة..

قال لك مبتسماً: ومن قال إني وحيد..

فهمت المغزى، تمتمت قائلاً: صعلوك، ولا تتهاون في مجونك..

يقول: إنه ألذ ما تستمتع به النفس..

تقول: الشيب غزا رأسك، ولم تهمد..

يضحك.. الذين همدوا ماتوا يا عزيزي..

ولكن لا بد من الاستعانة بالورع قليلاً، إنه يمنع من الزلل..

يغضن حاجبيه قائلاً: ألم تكف عن مواعظك السخيفة.. ثم ينهض..

سأصنع لك شاياً يعدل مزاجك، لعلك تهتدي..

تبتسم.. لن ترتدع عن مهازلك..

ثم وهو يعطيك ظهره، ألم تقتنع بعد أن الحياة مهزلة.. ماذا جنيت أنت من تحليلاتك المملة غير التعاسة..

ومن قال لك إنني تعيس..

يقول: سيماهم في وجوههم..

تتنهد.. لا تستطيع مقاومة بلاغته.. فسخريته جاءت من قدرته على منح الحياة فلسفة مغايرة لما اعتاده الآخرون..

تأخذ كأسك.. تتجرع الرشفات الساخنة، ويمخر الدخان فتحتي أنفك، تنتعش ذاكرتك برائحة الشاي..

أبو سيف.. كيف خطر على بالك زيارتي..؟

خفضت رأسك، ولم تسعفك العبارة غير أنك تقول.. اشتقت إليك، وساقتني قدماي إلى مكانك، وصدقني إنني لم أكن متأكداً من أنني سأستدل إلى مكانك. يشيعه بنظرة حالمة.. القلوب يا سيدي.. القلوب عند بعضها، وأنت أصيل.. ثم يعتدل في جلسته، مستدرجاً مشاعرك.. قل لي كيف كنت تقضي أوقاتك كل هذه المدة.. أليس لك أصدقاء؟

تقول له بامتعاض: لا أصدقاء لي، متململاً.. الحياة باتت باهتة وبلا لون.

أبو سيف: الآن عرفت.. منذ أن شحنت الأرض بالبشر وهي مكتئبة، ولو كان في إمكانها لابتلعت كل من عليها.

تأوهت أنت، أحسست بأنه وضع يده على الجرح.. قلت له: زدني من شايك، إنه لذيذ..

يملأ كأساً آخر، وتتلقفه بيد مرتشعة.. شكراً.

في الصباح نثرت السماء رذاذها الفضي على وريقات الشجر، فاستراح الندى قطرات تلمع على سطح الخضرة، حيث الشمس هيأت خيوطها الذهبية، متوزعة بأناة على ألسنة العشب الناعمة، تصديت أنت للشروق بقلب حالم، يستعيد أزمنة قديمة، تطورت وجداً كونياً بين الجذوع السامقة، والأغصان المنحدرة من علو الفضاء، أخذت مكاناً من زاوية الكون، ورحت توزع نظراتك بين المروج، وأصداء الصباح تحثك على جلب الذاكرة، وحلب شلالها المختلط بالمشاهد الراهنة.. جسدت جل أحلامك في المكان النائم على خضم من الزخرفة الطبيعية، وحشدت الفكرة تلو الفكرة مقتنعاً، أن أبا سيف، رفيق العمر القديم، استطاع أن ينشق عن جموع الناس، ليبقى شاهداً على بلد يتطور في أشكاله المادية، ثم ينزوي بميراثه القيمي، مترافعاً أمام قضاة الزمن، عن قضية لا يمكن الإفلات من أنيابها الحادة، كونها قضية الوجدان واللاشعور الجمعي، الذي لا ترحم حصاه، أي آله بشرية مهما امتلكت من مقومات التغيير، أنت وحدك الآن تضع أبا سيف في مقلة العين، وتمسك على تمرده بالنواجذ، تعلم أن كليكما استتب أمرة على أن ما يجيش في خلايا المجتمع هو شيء من الخرافة، هو جزء من اعتلال البنية، لكنك لم تجرؤ على سلك الطريق الذي نهجه أبو سيف. فالرجل أغمض البصر عن الكلام المباح، وشد ركابه باتجاه اللامعقول، بينما أنت مازلت في قلب المخاض، لأن علم النفس يحلل كثيراً، ويؤول أكثر ويسرد حكايات، ويفسر أخرى، الأمر الذي يجعلك لا تبادر متى ظننت، بانتظار اليقين، واليقين لا يأتي إلا بعد أجل غير مسمى، وقد لا يأتي البتة. عرجت نحو منعطف، تمرغت قدماك في وحل مياه آسنة، نامت على الأرض الطينية منذ أيام، انتشلت ساقيك بصعوبة، حاولت أن تنظف نعالك البلاستيكي القديم، من بقايا الطين المبلل، انتزعته من قدميك ونحيته جانباً، ماداً ساقيك على ظهر صخرة، أسندت ظهرها على كومة رمل.. تسمرت في مكانك متأملاً، غارقاً في شعاب الفكرة، ولم يزل صديقك يغط في النوم، ويبدو أنه اعتاد على تمضية نصف النهار على السرير الخشبي تحت السقف البارد، المتصدع بهواء المكيف.. ستقول إنك لم تنم البارحة، لأنك كنت تفكر، وكذلك لأنك لم تعتد النوم على فراش لم يستمرئ جسدك الخمود على قماشة القطن برائحة غريبة.. لم تكن الغرفة مرتبة كالمعتاد، لكنها لم تكن رثة أو عفنة، لكنك هكذا دوماً تشعر بالقلق عندما تفارق مخدعك.. العصافير هنا تطير فرحة بحرية، تنتقل على الأغصان في غزل رفيع المستوى، وكذلك الحمام البري، ذو الريش الرمادي، يستفيق صباحاً، ليبحث عن طعامه، من ثمرات الزرع، وذكور الحمير تلاحق إناثها، في شبق طفولي بريء، متحررة من قيد الحطابين، وسقاة الماء، والحادبين على ظهورها. زمن مر وقد استطاعت هذه الحيوانات النبيلة أن تتنفس الصعداء بعد تخلصها من العذاب اليومي، لا تستطيع أن تقول إن التطور الذي نشأ عن ثورة النفط لم تكن له إيجابية، فهذه الحمير الآن تجد منتجعها الصيفي، في هذه السيوح المحزمة بالخضرة والماء والممارسات العفوية، لفطرتها السحرية.



يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #10  
قديم 12-25-2012, 11:38 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

وكذلك القطط، لا أحد يؤذي مشاعرها، في هذا الفضاء الرحب، ورزقها من الفئران، والحشرات الأخرى، يتوافر هنا بكثرة، وبلا منغصات بشرية.. الحيوانات هنا تمارس حقها في العيش الآمن، فلا أيدٍ تطالها، ولا أعين تتربصها.. نهضت، غصت في البرزخ، وفي نفسك رغبة ملحة على أن تتشابه مع صديقك، لكنك ترتدع لمجرد التفكير، في تأسيس مثل هذه المملكة، لأنك مسكون بالخوف، خوفك الذي يلازمك، ويطارد إخفاقك كلما فكرت أن تحتسي من نفس الذي يكرعه صديقك.. تحسده أحياناً، وتنقم عليه أحياناً كونه متحرراً ورعاً، يمارس طقوسه المجونية، والجنونية، في صومعته، في خلاء الكون الفسيح.. تقول: لماذا لم أتخذ القرار الذي يسلخني من كل هذه الهواجس اللعينة، ثم تتعوذ من شر المجون.. في داخلك تتصارع القوى الغامضة، تحاصرك بقواها الفتاكة، فتضطر إلى التراجع، وتنزف بكاءً داخلياً مريراً..

ينصهر المكان بالحرقة، تحاول أن تختبئ في الظل، كما تفعل القطط التي تخلت عن مشاغباتها، وهجعت تحت الأفياء، مادة ألسنتها اللاهثة.. فجأة تقفز يقظاً، كانت يد أبي سيف تهبط على كتفك، تطبق قبضتها، تلتفت مذعوراً، يقول لك بصوت هامس: هل استمتعت بمنظر الصباح، بعيداً عن الضجيج..

تقول له بصوت مشروخ: بالطبع.. إنه منظر خلاب..

يقول لك: لو سمعت كلامي، عندما نصحتك، بالتخلي عن خزعبلاتك، لكنت الآن في أحسن حال..

تقول له بلهجة متحدية: المكان، رائع، لكنه لا يصلح للإقامة الدائمة..

ومن قال لك إنه مقر دائم.. مجرد منتجع، أقضي فيه أوقاتي..

أنا لا أحب العزلة التي تحبها..

بل قل إنك، ممسوس بقواك الخفية.

تبتسم ابتسامة باهتة.. ثم تطرق.. هذه القوى هي التي عصمتني من أفعال ترتكبها أنت.. ولو فعلت لما استطعت أن أقاوم حياتي..

يضحك ساخراً.. ثم يربت على كتفك: خذ بنصيحتي، ولن أخذلك..

تهز رأسك: لا تحاول.. أنا لا أستطيع..

يزم شفتيه.. ثم يردف: دعك من الوسوسة، وتعال لنأخذ إفطارنا.. السفرة المعدة سلفاً، مهدت طعامها بشرائح الجبن، والخبز الأسمر، والحليب، والشعرية المحلاة، والفول المطبوخ، والحمص..

قلت.. كل هذا تجهزه بنفسك كل يوم..

يهز رأسه، فخوراً.. أجل بنفسي.. ثم يمزح قائلاً: وهل تجد أمامك من تسكن معي تحت هذا السقف.. أمر طبيعي أن يخدم الإنسان نفسه بنفسه..

ولما فرغت من طعامك..

قال: الآن تحتاج إلى كأس أحمر.. أليس كذلك؟

هززت رأسك متجاوباً معه.. سيكون أفضل..

شعرت بالوجل وأنت تنتظر كأس الشاي، كنت تريده أن يفرغ من أي شيء تريد أن تدفعه في اللجة، لجة الحديث والحكايات التي تريد أن تستفسر عنها، قد لا يطيق حديثك عن الجن، لكنك على يقين أنه أعتى شيطان في هذه الأرض، ويعرف الشيء الكثير عن الذين يحفظون من حكايات الحب، وخفايا الأساطير القديمة.. أخذت رشفات الشاي وعيناك تحملقان في وجهه اللامع، أبو سيف، رجل يعتني كثيراً بنفسه، ويبدو من سحنته أنه يهذب شعر الوجه يومياً، ويفترض أنه يفعل ذلك كونه كائناً مغامراً، يعشق النساء إلى حد الشغف..

قلت له: يشغلني كثيراً هذه الأيام موضوع الساحرة أم الدويس، فهي المخلوق الذي أسس مساحة واسعة من وعي الناس، واحتل جبلاً من وجدانهم..

يتفرس في وجهك.. والابتسامة الساخرة تعلو وجهه قائلاً: أنت متأكد من كلامك.. صحيح، أنك تريد أن تعرف عن هذه الخرافة؟

تقول: ولم لا؟ أليست هذه الخرافة جزءاً من تاريخ مجتمع بأسره..

وماذا ستفعل بها لو عرفت؟

أريد أن أكمل دراسة عن القديسة أم داس.. أو أم الدويس..

يضحك بجلجلة.. آخر عمرك تريد أن تدرس حياة أم الدويس..

ألا تعرف أنني متخصص في علم النفس؟

وما شأن أم الدويس، بعلمك الذي تخصصت فيه..

تقول بلهجة جادة.. علم النفس يدرس سلوكيات الناس ومشاعرهم، وهذه الخرافة جزء من مشاعر الناس.. بل هي شكلت هذه المشاعر..

يفرغ كأس الشاي في جوفه، ثم يزدرد ريقه قائلاً: إذا كنت جاداً، فسوف أصحبك إلى رجل كهل يمكن أن يفيدك في هذا الأمر..

ترفع حاجبيك، مندفعاً.. سأكون شاكراً لك.

لا تحتاج إلى شكري.. فلن أبذل جهداً غير أن أصطحبك إلى رجل أعرف أنه غارق حتى أذنيه، في مسألة الجن والشياطين، وقد يطلعك على موضوع أم الدويس.. ثم يبتسم لتكمل دراستك القيمة..

تقول له، باشتياق، ومتى أستطيع أن أذهب إليه؟



بلهجة واثقة وهادئة.. لا تجزع، فالمساء يكون حاضراً في المزرعة المجاورة، هي ليست بعيدة، على بعد خطوات فقط. طبعاً سوف تسمع الكثير من القصص والروايات التي تدوخك، وعليك أن تسمع، وتأخذ منه ما يفيد.. هو رجل، شبه كفيف، لكنه يمتلك ذاكرة قوية، وفكراً ثاقباً، ولديه قدرة فائقة في تلفيق الصور والمشاهد الدرامية، ما يجعلك تعجب به، وتتمنى لو عرفته من زمن بعيد، ولكن عليك أن تحذر من تصديق كل ما يقوله، فهو يعتقد أنه ملك الجن، وسوف يسرد لك أحداثاً ما مرت على عقل بشر..

تزداد أنت قلقاً، وتتحين فرصة لقائه، وتكاد لا تصدق كلام أبي سيف، تريد أن تقابل الرجل في أقرب فرصة، لتنهل من معينة وتعرف منه أسرار أم الدويس، تريد أن تبني نظريتك العلمية، على معطيات ما سيبوح به هذا الشيخ الجليل الذي يهزأ منه صديقك.. شعرت باشتياق أكثر، واقشعر بدنك، كونك ستتعرف إلى رجل سوف يفك لك عقدة طالما عقدت لسانك، وهيضت منامك، وجعلتك تعيش كناسك طرد من صومعته ولم يبلغ مراده، بعد أن غضبت عليه الآلهة.

أبو سيف، يتفرس في وجهك، يقرأ تفاصيل محياك الشاحب، ويشيعك بابتسامة ساخرة، وأنت تحاول أن تغض البصر عن نظراته، ويهيأ لك على أنه رجل لا يعترف بالعلم كما أنه يحاول أن يتحاشى الخوض في عوالم الجن، ليس لأنه لا يعترف في هذا المحيط الغامض، بل إنه اعتنق فكرة منذ زمن بأنه يجب أن يهرب من كل شيء، أن يهرب من الجن والإنس، ليعيش حياته، هو ديماجوجي السليقة، ولا يستطيع أن يرهق ذهنه بأمور تبعده عن مزاجه الشخصي..

قبل أوان الموعد بساعتين أو أكثر بقليل، يخيل إليك أنك ذاهب إلى الجحيم، تصورت نفسك كالمتهم المحكوم بالإعدام، بدأت أطرافك ترتعش، وقلبك يخفق والعرق يسح من جسدك الذي أضحى كالقربة الناضحة.. نظرت إلى صديقك وهو يلج متاهات الفكرة، ولا يريد أن يخاطبك في أمر ما. أبو سيف لا يعتني كثيراً بهذه الأمور، بل يعتبرها ضرباً من الخرافات البالية، وكذلك أنت، لكنك تختلف عنه في أنك تريد دوماً ألا تمر الأشياء من حولك كلحظة عابرة، فالفكرة تظل تجوس في عقلك حتى تنهكك، وتصير أنت كالطفل الباحث، مهمة شاقة.. يشق عليك أن تفوه بالأشياء كما هي، ولا تفكر عميقاً في تفاصيلها المزمنة.. هذا مرض مزمن سكن روحك منذ طفولتك والآن كبر معك، بعد أن كبرت أسئلتك، الغامضة والشائكة.. فعلاً أنت تحسد هذا الصديق، الذي أمسك عصا الحياة من النصف وراح يروغ بها عن نفسه كل ما يشقي روحه، فاستمتع بحياته كما هي، ولا يفكر أبداً في تطويق عنقها بالأسئلة التي ليس لها إجابات سوى الشقاء.. تحاول أن تعتذر عن الذهاب مع صديقك إلى الرجل الذي سميته كاهناً، تريد أن ترتب أفكارك، تريد أن تهذب مشاعرك، لا تريد أن يستقبلك الرجل وأنت مرتبك العقل، تريد أن تقف أمامه بهيئة الرجل الباحث عن الحقيقة لا أنك مراهق، مرتجف، مرتعد الفرائص.. حاول أن تفوه بكلمة تنبئ الصديق عن رأيك الأخير، بينما كان هو مستلقياً على جانبه، يقلب ألبوماً، قديماً، ويبدو أنه رصف فيه مجموعة من الصور، كانت هذه هواية قديمة لديه، يجمع صور الأصدقاء، تجرأت، قلت له: أرني ما في الألبوم..

قال في ابتسامة نبيلة.. هذا لا يخصك..

ألست صديقك؟

بلى.. ولكن ليس كل ما لديّ هو مشاع..

إذاً لماذا تقلب الصفحات أمام عيني..

يضحك.. أريد أن أغريك.

وبماذا تغريني؟

أنت مندهش بكل شيء، وأي شيء يشد انتباهك؟

مديح هذا أم ذم..

بين هذا وذاك.. ثم يضحك مازحاً.. ويمد الألبوم لتتلقفه يداك المرتبكتان..

يصيح.. ما بك ترتعش كزعنفة سمكة ألقيت على الشاطئ..

تقول، زاماً شفتيك: لا أدري، ثم تزعق.. ما هذه الصور..

هل أعجبتك؟

تقول: بالتأكيد أعجبتني، ولكن سؤالي عن هذه الصور؟

يقول: لبشر من دم ولحم..

تضحك ضحكة باهتة..

يقول: ما الذي أدهشك في الأمر؟

تقول: آسف أنك كرست كل هذه السنوات في الجمع والالتقاط.. أليس كذلك.. وهل أجمل من الجمع.. والالتقاط أيضاً..

ولكن ما جدوى هذه الصور، مادمت حظيت بأصحابها..

إنها، رسم مثير تجعلني لا أنسى، الوجوه التي قبلتها..

وهل قبلت كل هذه الوجوه؟

يقول: وإنما لماذا أحتفظ بصورها.. أنا لا أفعل خيراً دون جزاء.. عقيدتي هي هكذا..

تهز رأسك، يأكل صدرك الغيظ من فجاجة صاحبك، رغم محبتك له، وينهش قلبك، أوان الموعد المشؤوم.. تقول في نفسك: لماذا استعجلت في الأمر؟ كان ينبغي عليّ أن أتريث، حتى تستتب مشاعري، وأهيئ نفسي لهذا اللقاء.. أخشى أن أضعف أمام الرجل، وتذوب كل قدراتي لسؤاله.. سأبوء بالفشل الذريع، سأتحطم وأندم أنني تسرعت.. تقفز من مكانك، تدع الألبوم جانباً، تنحيه بالقرب منك.. تقول لصاحبك.. ما رأيك لو أجلت موضوع لقاء الكاهن إلى يوم آخر..

فيغضن حاجبيه، ويزم شفتيه، قائلاً: هذا شأنك.. أنت الذي تريد مقابلته، ولك الخيار متى ما أردت.

ترتاح نفسك، وكنت تخشى من سخريته منك، واتهامك بالخوف والتردد، لكن يبدو أنه بغطرسته فهم الأمر، ولم يعترض.. صحيح بدا من لهجته شيء من الامتعاض، لكنه لم يرق إلى درجة الغضب.. قلت في نفسك هذا مريح، أشعر الآن بالسعادة، إذ سيأتي المساء من دون مواعيد، وأعتقد أنني أكره المواعيد والالتزامات منذ الصغر، وقد تكون هذه الحالة مرتبطة بنفسي منذ أيام المدرسة، كنت في طفولتي، أشعر مساء كل جمعة بحزن رهيب ينتابني، إلى درجة أنني كنت أنكفئ في مكان منعزل، وأظل منتحباً وكأنني سأساق إلى المقصلة، وأتصور أن الإحساس باللوعة مرتبط بالخوف من الفراق، كنت لصيق الصلة بأمي، كنت لا أكاد أفارقها أبداً، إلا في حالات قصوى، وأتصور أن عادة التبول الليلي كانت على علاقة بالخوف من الفراق، كنت أبلل ثيابي ليلاً، حتى تظل أمي إلى جانبي، تنظفني، وتغسل أعضائي التناسلية، بل وكنت ألتذ بالملامسة الحانية التي تبديها..

تقول الآن، أشعر وكأنني تخلصت من السجن، تريد الآن أن تغادر الغرفة، لتطلع على مشاريع صديقك الزراعية، رغم أنها متواضعة وليست ذات أهمية إلا أنه يعتبرها من المهمات الجليلة التي أقدم عليها بالفعل، فإنه اختار الطريق الصحيح بالنسبة له، مثل هذا الكائن لا يستطيع أن يمارس حياته المعتادة، وسط زحام الناس.. الناس سوف يرجمونه بالحصى، فيما لو شاهدوا تصرفاته، فهو لا يتورع أن يعانق فتاة، طليقة في مكان عام، لا يرتدع عن فعل أي شيء في اللحظة ذاتها متى ما سنحت له الفرصة، فإذا إن هذا الملاذ الآمن يصبح بالنسبة له، ساتراً وواقياً من الفضائح..

تنظر إليه، تقول: أريد أن أخرج من عتمة الغرفة، أريد أن أتجول في المزرعة، لأشم رائحة العشب..

يقول.. وهو يلتقط ألبومه، الذي تركته مطوياً عند المسند المجاور لمسندك، ألم تعجبك أي منها؟

تقول ساخطاً: لا.. لا تعجبني هذه الأنماط..

يضحك.. مزمجراً.. أنت لا يعجبك شيء غير أم الدويس..

ترمقه بنظرة وأنت تدلف من الباب، تلج المزرعة، ومع انكسار الضوء، وزحف الظلال على الرمل الطيني، أحسست برغبة في فسخ نعليك، لتتلقف الأرض الباردة شيئاً من الدافئة أكثر، قدميك الحافيتين، شعرت بلذة، وكأنما شيء ما في داخلك يطويك طياً، ويدفعك إلى الدفء.. في الدفء حكاية مديدة تقطن روحك، أنت قد لا تحب ممارسة الحب الجسدي، أكثر من توقك إلى الدفء، لذلك شعرت بالاشمئزاز وشيء من المرارة، عندما سألك الصديق، عن اختياراتك، أحسست بأنه يناوئك المشاعر، فهو يمارس الحب لإشباع الغريزة الجسدية، وأنت تبحث عن الظل، تسأل عن الدفء، والدفء لا يأتي إلا من أحضان امرأة مرهفة أجلت مطالب الجسد إلى حين يمتلئ القلب، بسعراته الحرارية..

جلست الآن أنت عند المجرى المائي، وبين الفينة والأخرى صرت تمد يديك، تبللهما بالشلال ذي الرغوة البيضاء، الناصعة.. ترشف شيئاً من القطرات، تقول: الماء هنا، ليس بالعذوبة التي نتوخاها، في السابق كانت مياه الآبار أشد عذوبة، وربما يكون ذلك بسبب النزيف اليومي من قبل المزراعين الذين لا وسيلة لديهم غير هذه العيون، شبه الفاضية.. لم يرافقك أبو سيف، وبطبيعة الحال، فإنه منشغل في إعداد شاي المساء، أبو سيف صاحب مزاج وحس مرهف في تعامله مع الطبيعة، لكن على ما يبدو فهو على خلاف ذلك، في علاقته بالمرأة.. الذي يحترم روح المرأة، لا ينبغي أن يكدس الأشكال والأصناف، كما أنه هاوٍ لجمع الحيوانات أو أي أشياء أخرى..

تقول: على الرغم من إحساسي بأن أبا سيف من أقرب الأصدقاء، وأكثرهم حميمية، لكنني أمقت هذا المزاج الشخصي الذي لا يتلاءم مع أخلاقه كإنسان، محب، ورقيق، ولا أدري كيف تجتمع شخصيتان في شخص واحد.. تهز رأسك، قانطاً، ثم يلفت نظرك طائر الغراب، الذي يحوم فوق رأسك.

قلت: هذا الطائر اللص، يقولون إنه لا يخدم نفسه بنفسه، وإنما من خصاله أنه يسرق ما لدى غيره.. أراه الآن يلوي فوق رأسي، يظن أنني أضم بين يدي طعاماً.. صوته أشبه بصوت مزمار سيارة عتيقة.. محشرج دائماً، لا يثير الشفقة أبداً، عدواني إلى درجة أنه يهيم في الفضاء، ويصطدم بالأشياء بعنف وكأنه طائر أعمى.. تنظر إليه وهو، يتعسف بالأغصان، وعندما يهبط، وعلى الرغم من ضآلة حجمه إلا أنه يثير ضجيجاً، فتفر منه العصافير، وطيور الحمام البري.. تنهض.. تعود أدراجك إلى مأوى الصديق..

الشاي رائع.. ترشف رشفات خفيفة، ثم ترشق في فمك حبات لب البطيخ، ثم تقذف بقشورها في وعاء النظافة.. تسترخي مستريحاً عند حلول الظلام، يقول لك أبو سيف.. وقت الأصيل في حوش المزرعة، الهواء عليل، ومنعش..

تقول: بالفعل هذا رائع..

في المخدع المتواري بين جدران، وأشجان، قلت لطفك.. طوقني.. حاول بكل جهد أن تستحضرها، لتحميك من خوف، وتدفئك من برد.. ارتعشت قليلاً ولما طواك الشرشف القطني السميك شعرت بالهدوء.. ففي الليل الأشياء تلبد، وتسكن، ما عدا شياطين الشوارع الذين يلوبون ليلاً ونهاراً، ولا تخمد نفوسهم من الدوران، وطحن الأسفلت بعجلات الحنق والحمق.. تتذكر صديقك وتستعيد ما سرده من أمجاد، بين أفخاذ نساء، تنوعت أشكالهن وألوانهن، ولم تتغير رغبته عن حب الشهوات والنزوات.. لا تدري لماذا أنت تلومه، ولكن كلما حاولت أن تجد له عذراً انقبض قلبك، وشدك دافع عنيف قائلاً لك: لا تندفع نحو الضلالات.. تريث، تعود أدراجك إلى أيامك الغابرة، تقول ما أجمل هذا الصديق لو أنه تخلى عن مجونه.. وتقول أيضاً هو سيقول، ما أروعني فقط لو انتهيت من فلسفة الأشياء، وتركت الحياة بجبلتها من دون قوانين، ونظم صفها البعض لأغراض أنانية لا غير.. وتقول لا أريد أن أكون أنانياً، فليمضِ صديقي في طريقه، وليبقَ صديق العمر، في شأن سلوكه الشخصي بعلاقتي به.. تستريح الآن قليلاً، تشعر بأنك تخلصت قليلاً من النقمة.. تعود ثانية تحاول أن تستدعي تلك الفتاة العابرة، تقول في نفسك النساء العابرات أشد فتكاً من اللواتي يجاورن الجسد، ألهذا السبب لم ينفرد صديقي بواحدة، حتى يتخلص منها، ليصبو إلى أخرى.. الأشياء البعيدة أجمل من القريبة، البناؤون لا يرون ما أنجزوا جيداً إلا عندما يتقهقرون بعيداً، فيكون الإحساس بالجمال أدق.. ولو أنني اعتليت بدنها لأول وهلة، ستصبح بلا قيمة بعد ذلك.. الأشياء التي تأتي بصعوبة تكون أشهى وألذ.. المرأة المراوغة تستقطب المشاعر أكثر من المرأة التي تسقط بسهولة كثمرة فاسدة..

أنا على يقين لم تكن عاهرة.. قلت.. أجل نيران، ربما كانت تواجه مأساة كسائر الفتيات اللائي يمررن في فترة المخاض.. كانت أشبه بالحمامة التائهة، وكانت تود لو أنني أنقض عليها، وألتهم بدنها، وأمارس الحب معها بصورة نهائية ونموذجية، ولكن لم أكن لأفعل.. تقول بغضاضة.. هذه أساليب حيوانية أن يطأ الرجل امرأة، في عرض الصحراء، ولا لحاف لهما غير سقف السماء العاري.. الحمير تفعل ذلك، لأن فطرتها تتيح لها ذلك. أما أن يمارس ذلك الإنسان فذلك فعل من أفعال الهبل..

تحاول أن تغادر الفراش، لقد سخن السرير، وصارت عظامه المتهالكة تصرصر، كأحجار الجدران القديمة. تقف عند النافذة، تفتح الستارة المخملية، ثم الشيفون الشفاف، ثم الزجاج الداكن للنافذة، تطل على الشارع، الساهر وحده على حراسة الأشجار، والحيوانات الصغيرة، الدائبة ليلاً بحثاً عن فرائس.. تلمح عن بعد مطاردة عنيفة، ومواء أشبه بالاستغاثة، قط شرس، برأس مدبب دائري، ينقض على أنثى صغيرة الحجم، تحاول أن تلقمه بحجر، لكن ليس لديك ما تلقمه إياه.. الهرة الصغيرة تستلقي على الأرض الحجرية، وترفع سيقانها إلى الأعلى، تحاول أن تدافع عن مصيرها، بيد أن العدوان أقوى من المقاومة، بعد فترة سمعت الهدوء، همدت الأصوات، ويبدو أن الهرة الصغيرة وجدت مفراً، فلاذت بالفرار، الروح أغلى من أي شيء، ومن له حيلة لا بد أن يحتال، ربما وجدت الهرة الصغيرة من وسيلة، خدعت بها القط المهاجم، فهربت.. كان في إمكاني أن أفعل ذلك ساعة العدوان المباغت، وأحمي بدني من الانتهاك، لكن الحيلة أحياناً تكون ضئيلة أمام عدوان غاشم، لا يردعه استجداء، ولا يمنعه احتواء، ولا ينفك عن فعل جريمته إلا بعد أن يقضي ما أمره شيطانه..

تفكر الآن فيما قاله صديقك أبو سيف.. تقول وأنت تحت وطأة القلق. تقول وأنت مستريب من كلام الصديق.. لماذا حاول أن يحبط ذلك، الرجل بهذه الهالة السحرية، حتى جعلني أرتعد.. لماذا كانت عيناه تجحظان وهو يسرد القصة عن صاحبه العجوز، وكأنه يقص قصة من حكايات ألف ليلة وليلة.. صحيح أنه اعتاد دوماً ومنذ الصغر أن يفخم الأشياء، ويضخم الأحداث، لكن هذه المرأة كانت أكثر مبالغة من ذي قبل.. تشعر بصراع، تمسك رأسك بيدك، تعقد جبينك، تحاول أن تمسد الجبهة، ثم تذهب إلى الدرج المجاور للسرير، تفتح الدرج، وتنزع علبة الفوكس، تمسح جبينك بالدهان الساخن، ومع ارتفاع درجة حرارة الدخان، تخف ضربات الصداع، تعود ثانية إلى المناظرة، تسمع طرقات خف على صلابة الأسفلت، تتبين الهيئة، شخص ما يمر بجوار النافذة، شخص يلمع وجهه تحت ضوء النيون الخافت، يتحدث بصوت مرتفع، ولا أحد يسير معه، لكنه يتكلم، يكلم نفسه، يحث خطى مسرعة، وكأنه يريد أن يلحق بركب ما، لمحت عصا فوق الكتف، وعلق حبال قفة من سعف النخيل، عرفت أنه أحد الصيادين الذين يرتادون البحر في هذه الساعات من الليل، وربما كان قد تأخر عن موعد الوصول إلى المركب الذي سيقله مع مجموعة من رفاقه.. قميص قطني بنصف كم، وإزار مخطط بالأبيض والأحمر، مرتفع قليلاً عن الكعبين، ليس تديناً وإنما لحاجة العمل في البحر، ولإنجاز المهمات الصعبة، في أقصى سرعة.. الكادحون وحدهم الذين يسيرون في الليالي وتحت جنح الظلام، ويمخرون عباب البحار، متفانين من أجل لقمة العيش، بينما المستهترون يهلكون أنفسهم وينفقون أموالهم في لحظات طيش مميتة..

يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #11  
قديم 12-25-2012, 11:39 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

يبتعد الرجل، ويبقى صدى صوته، تقول، الليل يستر كل شيء عدا الأصوات، فهذه الذبذبات تتسرب إلى الآذان مع الهواء، فلو أن امرأة شهقت في عراء الليل، لأسمعت من به صمم.. تبتسم أنت، تعود أدراجك إلى السرير بعد شعورك بالتعب من الوقوف، تقفل الزجاج، وتسدل الستارة، تعدل الوسادة، تسند ظهرك، تتذكر سيجارة كنت قد خبأتها منذ فترة، شعرت بالشوق، إلى رائحة الدخان، على الرغم من أنك، لم تدمن التدخين، لكن في ساعة وله، تشتاق إلى الدخان، تفتح العلبة، وتأخذ سيجارة، تأخذ شهيقاً عميقاً، يتغلغل الدخان في رئتك، حتى تنتابك دوخة طفيفة ثم بعد استراحة قصيرة تستعيد أنفاسك. تمز مزة أخرى لكن بتأنِّ، وعيناك ملتصقتان في السقف.. عاودك السؤال، لماذا أراد أبو سيف أن يهول من شخص صاحبه.. أهو حقاً يستحق ذاك التهويل؟ وهل سيستطيع أن يقدم لي شرحاً وافياً عن هذه الساحرة.. تصمت قليلاً.. تأخذ مزة، ثم تخمد السيجارة في المنفضة، تنظف يدك من الرماد، تقول: كيف سيكون شكله، وجهه، هيئته، قامته، طويل أم قصير، سمين أم نحيف، قبيح أم جميل؟ وتقول: عادة ما يكون هؤلاء، أشبه بالأشباح، يكونون قبيحي المنظر، لأنهم، يهملون أنفسهم، ولكي يعطوا أنفسهم هيبة ومهابة، فإنهم يطيلون اللحى ويكثفون الشوارب، ويجحظون أعينهم ويكونون دوماً جاهمين، واجمين، عابسين، لا يبتسمون، إلا في حالات الضرورة، وإن ابتسموا فإنها تكون باهتة وجامدة. تقول: إذا كنت أنا، أوقن تمام اليقين، أن كل هذه التصرفات ليست إلا تهويمات وإيحاءات، وخدع بصرية، لا أساس لها في الواقع، تقول مرة أخرى: إذا كنت واثقاً بأنها خرافة فلماذا أتعمد البحث في تفاصيلها، وأجهد نفسي، وأعرض نفسي لمتاعب أنا في غنى عنها.. ثم تعود ثانية لتذكر نفسك بالبحث الذي نذرت نفسك من أجله.. لا.. لا بد من التعب، بل أشعر بيقين أنني سوف أقف عند نقاط مهمة، في مسألة أم داس، وعلاقتها بأمور كثيرة.. إذاً يجب أن أعود إلى صديقي في أقصر وقت، لأذهب بصحبته إلى ذلك الكاهن.. أريد أن أعرف سر هذا الرجل، كما أريد أن أتقصى السر الأكبر.. أم داس.. آه، تقول وأنت تتأوه: كم لعبت هذه الشيطانة اللئيمة، بالعقول، وكم أمرضت وأماتت.. أجل كانوا يموتون خوفاً لمجرد سماعهم صوت خشخشة من خلف الجدران، أو قبل ذلك، خلف جريد الخيام المتداعية.. الأطفال بالذات كانوا يتبولون في فراشهم.. تقول: أنا كذلك كنت أتبول، وأمي كانت تنهرني، وتمقت هذه العادة السيئة، لكني لم أذكر قط أنها أخبرت أبي بأمر هذا التبول.. تقول: بعض الأمهات عظيمات تستحق الواحدة منهن أن يبنى لها تمثال في شارع عام.. كانت تعرف أمي، لو علم أبي بالأمر، فإنه لن يستطيع فهمه على أنه تبول لا إرادي، لكنه سوف يشبعني ضرباً، ويوسعني زجراً ودون فائدة.. الآباء طبيعتهم الخشونة، والأمهات الليونة. لذلك، يحن الأبناء إلى الأمهات أكثر من الآباء..

تقول: يجب أن أنام، تحاول أن تطفئ النور، أطفأته، وسحبت الملاءة القطنية حتى غطت وجهك، تريد أن تغيب عن العالم، لا تريد أن ترى شيئاً. تعود منذ زمن، عند النوم لا بد أن تغطي وجهك، تقلبت كثيراً، نفخت متذمراً، النوم لا يأتي بالسهولة المعتادة لكثير من الناس.. تقول: الليل سبات، وراسي لا يسبت، ولا يخفت.. أحب اليقظة كثيراً، لكنني أيضاً أحب أن أرتاح.. يجب أن أرى أبا سيف غداً، وليس في استطاعتي تأجيل الأمر إلى يوم آخر..

تقول: لم أنم إلا ساعات قليلة، لم تتجاوز الثلاث ساعات.. نهضت مفزوعاً، أسناني تصطك، وركبتاي ترتجفان، وشفتاي ترتعشان، وجسدي كله أشبه بسمكة مقذوفة على الرمل، أحاول أن أمتلك لساني، أو أن أمسك بشيء ما جامد كي أخفف من الانتفاضة العارمة التي عمت جسدي، لم أستطع فعل أي شيء، كان الحلم مفزعاً، مرعباً، شكل جهنمي تراءى لي، على هيئة طائر ضخم، بمنقار طويل وحاد، رأيته يقترب من وجهي، ويرفرف بجناحيه العريضين، وكأنه يريد أن يخطفني.. حاولت أن أتحاشاه بيد أنه كان يطوق المكان أكثر مما يطوق بدني النحيف، احترت ماذا أفعل، لجأت إلى الملاءة، خبأت جسدي تحتها، خبأت وجهي، انكببت على وجهي، وغطست في بحر الوسادة القطنية، كان ينهق كالحمار، ولا يزغرد كالطيور، كان يحرحر كالوحش الضاري، يقف على ظهري، شعرت بثقله فقدت أنفاسي، صرخت دون جدوى، كان يصفعني بأحد جناحيه كي ألجم فمي، همدت ولم أتحرك، عيناه أشبه بجمرتين متقدتين، أنفاسه تخرج من جوفه ساخنة كالجحيم، مخالبه كمسامير الحديد، ماذا أفعل.. قلت لم أفعل شيئاً سوى أنني سكنت كالذبيحة على مقصلة الإعدام، وبانتظار ما سيسفر عنه هذا الغزو الغاشم، أسرفت في النحيب الداخلي، كطفل مختون، أكظم حنقي كي لا أستفزه بنظرات استجداء، لكنه لم يكن يأبه لمحاولاتي في استعطافه.. بعد مضي فترة، رأيت مجموعة من طيور أخرى، تهيم في فضاء الغرفة، وتصدر زمجرة مرعبة، أسمع صفقات أجنحتها العظيمة فأنكفئ مختبئاً في جلدي المقشعر لا أحد سواي في الغرفة وليس بجواري من أستعينه، لبثت متحيراً كي أستطيع التخلص من هذه الورطة.. بينما العدوان يزداد شراسة. بعد فترة وجيزة، تغيرت صورة الطائر الضخم، وبرز أمامي بهيئة كائن قبيح المنظر، يرتدي عباءة، يخرج من أطرافها شعر كثيف، يداه بطول قدميه، أو أقل بقليل، لكنهما تنفردان كجناح نسر جبلي، يقف عند رأسي، وتخرج من عينيه، شذرات من لظى وحميم، شفتاه غليظتان متدليتان، وأنفه ضخم، بحجم حبة الباذنجان، وجهه أسود فاحم، يحمل بإحدى يديه فأساً حديدية.. قلت عندما استيقظت صرت تبحث عن الشبح المرعب، تلفت كثيراً، بحثت عن نفسك قبل أن تبحث عن الصورة المفزعة.. عدت إلى الفراش، استلقيت، حاولت أن تسترجع المشهد المروع، وعيناك تغرقان بالدموع.. عدت إلى علم النفس.. حاول أن تفسر، أن تحلل، أن تصل إلى تيمة الحلم، وجدت نفسك تعاني من خوف شنيع لم يسعفك على التقصي.. فتحت الدرج، شعرت بحاجة إلى حرق أي شيء.. أشعلت السيجارة، دخنت، زممت العقب بعنف وبشراسة، وبمحبة أخذت الدخان إلى صدرك، سحبته امتلأت رئتاك جيداً، ثم زفرت، طردت الدخان بتنهيدة عميقة، كررت بانتظام أخذ الدخان، شعرت بأنك بحاجة إلى كأس شاي دافئ، لكن قدميك لا تحملانك، بعد الحلم، وبعد الاستيقاظ، ترهل جسدك برداً، ونزف العرق من مسامه، غزيراً، أسندت ظهرك إلى الوسادة، تأملت السقف وحلقت في فضاء الغرفة التي كانت ممتلئة، بالضجيج والصور، المخيفة.. قلت.. هذه سلبية من سلبيات الوحدة، العزلة قد تلهمك الهدوء والسكينة، لكنها لا تنقذك من أحلام الليل عندما تباغتك.. قلت لو أن امرأة حافية تنام هنا، لو أن امرأة تجاور جسدي الآن، لنهضت، وأعانتني بكأس شاي ساخن وأسعدتني بهدهداتها، وقبلاتها، وتمسيدها على جبيني..

تغمض عينيك على صورة مثلى لحلم اليقظة.. قلت، كم هي الفجوة واسعة، بين حلم النوم وحلم اليقظة.. الشيء الذي تستحبه النفس لا يأتيك، وأنت قد أرخيت أعصابك، واستسلمت لعدم النوم، أو الأشياء اليقظية حتى، كالوحش الضاري يداهمك، ليلاً، ليقضي على آخر رمق في حياة هدوئك..

تقول: أحياناً أشاطر أبا سيف رغبته الجامحة، في حب النساء، لأنهن كائنات نبيلة، عندما تكون بجوارك كأنها تنعش مسام الجسد، وتطرد الشياطين، وتقودك إلى نعيم الجنات الخالدات.. تصمت قليلاً.. تقول: ليس فـيّ ما يخيف وما هو إلا مجرد حلم.. ثم تستعيد ذاكرة مجونك.. لكن الحلم لا يأتي من فراغ.. الحلم وسيلة للتعبير عما يقطن في اللاشعور.. إذاً أتكون هذه هي أم داس، التي أبحث عن تاريخها ولم لا؟ قد تكون ولكن ما يهمني الآن أن أعرف الأشياء الغامضة عن هذه الشيطانة.. تتراءى لي مجرد رموز مبهمة، لا تعنيني في شيء.. أي حلم مرعب يمكن أن يجلب صوراً بهذه الهيئة.. والأحلام في كثير من الأحيان تتشابه، ثم تضيف.. لا ضرر.. عليّ أن أمتلك ناصية الشجاعة، وأمضي قدماً لعلي أكتشف أشياء لم تكن في خلد الآخرين.. لا شك في أن الرجل الذي تحدث عنه صديقي سوف يعينني على الفهم.. أنا أفكر في أن أجد حلاً لمعضلة الجهل الملازم للخرافة.. تتشجع.. تنهض، تذهب إلى مطبخك الصغير، وتصنع الشاي تعود إلى السرير، تضع الكأس على الكوميدينو، وأنت تلهج.. يجب أن أذهب اليوم، فلا أوان، للتأجيل..







تقول عنها صومعة، لما دخلت الصومعة، كان الصديق يرتدي بيجامة قطنية مخططة بالأزرق والأبيض، بياقة عريضة عقدت بزر عند أسفل الرقبة، استقبلك بود مشيعاً إياك بابتسامة لطيفة.. شعرت بالإحراج قليلاً لما لقيته من حفاوة الصديق، وبشاشة وجهه المشرق، بنداوة صباحية، اكتسحت محياه المزخرف بالفرح.. ويبدو أنه كان، يتحين فرصة مجيئك إلى منتجعه، بحضور الحسناء، هيفاء العود، لدنة البشرة..

قلت: ما اسمها؟

قال: اسألها..

قلت: ما اسمك يا جميلة..؟

قالت بصوت عذب.. ماسة..

أحسست بأنها تنام على صدرك وهي تنزل الجفن الناعس على مقلة شعت بنضارة الشباب الأنثوي اليافع..

تلعثمت.. انعقد لسانك.. كان لا بد أن تمضي في الحديث معها، حتى تكسر حاجز الصمت، وتهزم خجلك.. لكنك، شعرت بأن الكلمات تتيبس على شفتيك الناشفتين، حاول أن تستنجد بصديقك، بيد أنه بدهاء الأخ المجرب تلهى في صناعة الشاي، تاركاً إياك وحيداً في صلب المعركة الوجدانية تقاسي مرارة عجزك.. بينما كانت الحسناء تفتل خصلة شعرها، متلمظة رعونة الفتيات، ذوات الأصول الشيطانية العريقة. تتنحنح أنت، تلعق شفتيك المصفودتين بأغلال الوجل المريع، تتلفت بينما جلس الصديق يراقبك من بعد عن كثب ويرسل إشارات مبهمة إلى الحسناء التي اقتعدت مسنداً كملكة متوجة..

قلت في سرك.. بؤس الشرف الوضيع..

أيعجز أربعيني مثلك عن مداعبة حسناء صغيرة، ولو بكلمات تفضي عناق الصمت المريب؟ لماذا أتصلب هكذا كالمتهم؟ ولا أستطيع أن أنبس بكلمة تفتح باب حوار على أقل تقدير تنتشلني من وهدة الارتباك. قدم أبو سيف كأس الشاي، لك، وللحسناء، وأخذ كأسه، وانزوى قريباً من الحسناء.. قال مشاغباً مشاعرك: ما رأيك، في هذا الطير؟

ابتسمت أنت، ازدردت ريقك بصعوبة، قلت بلهجة مرتبكة، رائعة.. وصمت منتزعاً نفسك من خيط بؤسك ثم رفعت الكأس، متشبثاً به وكأنك تريد أن تفر من موقفك العصيب..

قال الصديق.. ماسة من أذربيجان.. مسلمة..

لم تفه بكلمة، لكنك قلت في نفسك، ونعم المنتج الإسلامي، عالي الجودة.. قطع الصديق حبل أفكارك.. قائلاً.. ماسة، خريجة علم البيولوجيا، جاءت إلى هنا في زيارة قصيرة، من أجل التعرف إلى حضارة بلادنا، تعرفت إليها صدفة في أحد المتاجر، وبسرعة فائقة تعمقت العلاقة.. نظرت إليه مستخفاً بكلامه، وهززت رأسك محيياً الفتاة، ورشفت من كأسك، وقلبك يخفق مضطرباً، وودت لو أنك لم تأتِ في هذا الوقت، أحسست بأنك جئت في الزمن الخطأ، كما تحث خطاك دائماً إلى الأماكن في الأوقات غير الملائمة..

قال الصديق: تقول إن لديها صديقات كثيرات في بلادنا، وهن يزرن بلادنا بين فترات متعاقبة، تمضي الواحدة منهن أسبوعين أو ثلاثاً، بعد أن تتبضع، وتملأ حقائبها بمشتريات نادراً ما يجدنها في بلادهن..

وخزك قلبك.. فهمت مغزى حديثه، لا بد أنه يريد أن يعلق شباكك بواحدة منهن، أو أنه يريد أن يفهمك ألا تضع عينيك على رفيقته. وتزيح عن كاهله، مغبة شكوكه.. قلت بلهجة جادة: بلادنا بخير بل وصارت مقصداً لجميع الشعوب.. هذه حسنة من حسنات الانفتاح، مع غض النظر عن السيئات التي لحقت بهذا الاكتساح الرهيب للقيم.. يهز رأسه برماً.. يقول: أي قيم يا سيدي، وعلى من هذه الترهات، نحن بحاجة إلى تحسين النسل، وإضافة محسنات بديعية، على أجساد نسائنا، ألا تجد في هذه الحسناء ما يثيب الذين انفتحوا، ويرفع عنهم وزر أخطائهم.. ويرشف من كأسه، متسلطاً، وبعجرفة يستطرد قائلاً: انظر إلى الهيئة البريئة، انظر إلى المكانة العالية لوجه يحترم الأصول الحضارية لشعوب ناضلت من أجل استقلال المرأة وحريتها..

تتمتم.. تقول في لهجة ضارعة: لكنهم أيضاً ضحية لبطش شعوب أخرى.. أليس كذلك؟

يقول محتجاً: لا.. لا تفكر بهذه الطريقة العشوائية.. الاستغلال شيء وممارسة الحياة بعفوية شيء آخر..

وكانت الحسناء، تستمع إلى الحوار بلا مبالاة، كونها لا تفهم اللغة العربية، ولكنها تستشعر من الحديث أنك لم تكن راضياً كل الرضا عن وجودها في حضرة الصديق، لذلك كانت تشبعك بنظرات استرابة على الرغم من ابتسامتها الباهتة المتربعة على خدين، ناصعين..

سألت الصديق: هل له أن يصحبك إلى الكاهن..

قال، متململاً: لا أعتقد أننا سنجده اليوم.. فقد جئت في اليوم الخاطئ، حيث إنه في كل يوم خميس يذهب لزيارة أهله في عمان..

أيقنت أنك لم تأتِ في الوقت المناسب، وأن حدسك لم يخنك عندما قلت إنك دائماً تأتي في الوقت الخطأ..

قلت: إذاً يجب أن أعود إلى حيث أتيت..

الصديق أمسك بيدك، راجياً قائلاً: انتظر حتى الغداء.. ثم يردف غامزاً ألم تعجبك هذه الجلسة الشاعرية..

قلت: لا شكراً.. دعني وشأني، سأذهب الآن وأعود في وقت آخر..

يقول: وقت آخر.. متى بالضبط؟

غداً.. أليس الوقت مناسباً..

يهز رأسه.. لا غداً لن نجده.. ألم أقل لك إنه ذهب إلى عمان، والرحلة إلى هذه البلاد تستغرق يومين، بمعنى أنه سوف يعود بعد غد..

حسناً.. بعد غد ستجدني في الوقت الملائم.. وكنت تنظر إلى الحسناء وكأنك توجه الحديث إليها، حيث إنه قال إنها سوف تغادر غداً إلى أذربيجان.. اصطحبك حتى ولوجك الفسحة الخارجية من المزرعة، وكان يضغط على يدك معتذراً، مودعاً بحرارة، وكنت تملص أصابعك من أصابعه، متخلصاً من الحرج، وسوء الطالع، والانكسار الذي داهمك، إثر عودتك، خاوي الوفاض، إلى جانب أنك كنت تتمنى تحاشي مثل هذه المواقف التي تعتبرها أوقاتاً عصيبة، تغرق بإحساس الضيم، بما يعقبه من تأنيب ضمير، وانشغال مشاعرك بآلام العجز.. ابتعدت عن محيط المزرعة، لكن صورة الحسناء تطاردك بنظرات الإذلال، ولا بد أن الصديق سوف يشرح للحسناء ظروف فرارك وأنت خالي اليدين، ولا بد أنه سوف يسبغك بأسوأ الأوصاف لينبري هو أمامها الفارس المحض، الصنديد الذي لا يساويه مخلوق.. أجل سيقول عنك ذلك، وهذه صفة الرجال الماجنين، عندما يكونون في حضرة النساء، اليافعات الناضحات بشهوة الحضارات القديمة، المعطرات، برغبات هائلة تنثال من أنوفهن المفتوحة على رائحة الجنس.. تمضي في الطريق، في اتجاه الشارع العام، تحت اللظى، ممتقع ممتحن، تخفي حثالة الكلام الذي سمعته، والذي سيقال عنك في غيبتك.. تفكر في صديقك الذي حنط المشاعر القديمة، واستبدلها بقائمة من العواطف البلاستيكية المهجنة، والمصفدة بشكل لا يدع مجالاً لانثنائها أمام أي موقف أو حالة من حالات الإحراج.. فكرت ملياً في هذا الصديق، الذي خرج من كومة ركام أخلاق. واعتلى تلة أخرى، ووقف على رأسها ليؤذن في الناس، مبشراً إياهم بميلاد عصر جديد.. زمن يختصر المراحل، كما يختزل القيم ليضعها في حفنة ضئيلة، وقميئة، لا تفرج إلا عن رغبة واحدة.. شهوة ذكورية عارمة، حازمة، حاسمة، كاسرة، في ذروة فجورها، وانهيالها باتجاه الأنثى.. أنثى الركوب، والسطوة الغامضة، وأنت في الحافلة، تمر على المحلات التجارية الصغيرة، المعقودة في صفوف متراصة، وكأنها في طابور مدرسي تمر على الأشجار المعمرة، البساتين، ولكن رأسك معلق في مشنقة الصديق، الذي فجر الكرة الأرضية في وجهك، ومنحك الرجوم والشظايا.. لم تكن مفاجأة أن تعرف أنه رجل نسائي بالدرجة الأولى، ولكن ربما لأنك، صعقت حين قارنت نفسك بالصديق.. ستأتي بين السماء والأرض، لا فرق بين رجل وآخر، في كل المواثيق، إلا أن الصفة الفارقة هي ما يفعله رجال، ويعجز عن فعله رجال آخرون، هكذا شعرت، وكأنك وقعت في قعر بئر سحيقة، طوتك الظلمة والوحشة، والشلل، حين حاولت أن تعالج عجزك، بكلمات مختصرة، فلم تعبأ بك تلك الحسناء، لأنها أنثى، والأناث ساحرات، في فهم معاني الرجال.. من أول وهلة، عرفت أنها تحتقرك، وتقلل من شأن حضورك، فلم تلق بالاً لوجودك، بل انشغلت في حساب الوقت ومتى ينتهي موعد زيارتك المشؤومة.. بقدر ما كنت تحب صديقك، بقدر ما كنت حملت ضده كرهاً، شعرت بأنها مصيدة لاختبار قدراتك، وفخ المراد منه، استعراض عضلات الصديق، الذي دائماً ما يتباهى، بمصائده الزاخرة بالصيد الثمين.. قلت.. ولكن، يجب أن أمرن نفسي على مثل هذه المواقف مادمت قد قررت الاستعانة به، للمعرفة..

يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #12  
قديم 12-25-2012, 11:40 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

قلت ما المرأة.. ما هذه المخلوقة العجيبة التي أتحاشى الوصول إليها.. ولماذا الاقتراب منها يبلد الجسد، ويجمد القلب، وتتصلب الشرايين لمجرد رؤيتها؟ من فوهة هذا الفندق، المنصوب كالوهم، عند شاطئ البحر، في البلدة المسحورة، والمذعورة من ظلام سمائها، واكفهرار ترابها، تمر أنثى، كل مساء، مرتدية بنطالها الأبيض المحزوز عند الردفين، وقميصها الأحمر الفاقع، المربوط عند دائرة السرة، فيبرز جزء من البطن مشاغباً الفراغ وأعين المتلصصين بشظف الرغبات المؤجلة، أو المسربلة بالتأويلات وتراتيل أصحاب التعاويذ السماوية.. أنظر إليها.. تقول إنك تنظر إليها، وتتفحص التفاصيل بعناية، ولما ترمقك، تنتفض، كطفل ضبط يلعب بعضوه التناسلي.. تقول إنك تفعل ذلك، عندما تغرقك التضاريس الأنثوية بسيل من المشاهد المزدحمة بصور النهايات القصوى للجسد، المكتوي بنيران اللظى الصيفي، المحاصر بفراغ غير منته.. هي أيضاً، تستدعيك بنظرات عفوية، وقد لا تقصدك، لكنك تشعر بأن النداء الداخلي يستجيب، لكنك تردعه، تقمعه، بكل ما أوتيت من وجل، وترتجف أطرافك وكأنك تخشى الوقوع من علٍ إلى أسفل محفوف بمخاطر جمة.. تحاول أن تشيح، لكن قوة تسطو على إرادتك، تجعلك تخنع بضراعة، وهشاشة، تظل هكذا بين البين بين، لا تقاوم، لا تقدم، لا تحجم، لا تفعل شيئاً غير أنك، تعصر القلب، فينزف.. تقول إنها، ماضية في الإغراء، وأنت مستمر في الإطراء، عيناك غزالتان فارتان من ناب ومخلب، قلبك أرنب مذعور، يفتش عن ملاذ، لكن القدرة الأنثوية الفائقة، تتغلغل في أحشاء الرغبة الليلية، تزلزلها، وتهز جذعك، ولكن بلا ثمار.. تقول إنك لا تكره النساء، بل إنك تشم في رائحتهن طيب الحياة، ولكن لا شيء يدهشك عندما تقترب، أو عندما تنوي الإطاحة بمقمع النفس.. تقول إنك كم مرة ومرة زعقت في وجه فيروز.. قلت يا فيروز، لقد ذبحتني هذه السوءات وأطواق الموت، أشعر بالاختناق، وأنا أجوس كالمغلل بالأصفاد، أحاول أن أهرب من شيء ما، أحاول أن أفك عقال هذه العقدة المحكمة حول عنقي، لكني بعد حين، أجدني أتقهقر، تقول إنك تصرخ بعنف.. تلعن الظلام الذي لا يريك غير الحلكة، ويغيب عن ناظريك النجوم والأقمار وعيون الإناث اللامعة، بالشهوات المباركة.. تستعيد صورة ماسة، صديقة أبي سيف، تجسدها أمام عينيك، تحاول أن تقرأ الحروف الهجائية في عينيها، تمرر إصبعك على شفتيها، تشعر بالدفء، لكنك فجأة تشد يدك بعنف، تشعر بالحرقة، تحاول أن تهدئ من روعك، لكن ماسة التي لم تطقها، تصدقك، تضحك بجلجلة ساخرة، ممتقمة، وتشيح في وجوم، لاعنة سلسبيل الرجال الأنذال الذين لا يصلون إلى الذروة. ولا يحققون غير الخذلان.. تقول رأيت في عين ماسة، لعنة شيطانية، تطحن رأسك، ترديك صريعاً، ثم تضع هي قدمها على عنقك، تقول لك باشمئزاز مت أيها النذل، أذهب إلى الجحيم.. تقول إنك حاولت أن تنهض وتصفعها، لكن رغبتها الجامحة، هيضت قوتك، بل صرت أنت الذي تلحس عرق الأرض، وتمد خطمك كالحمار البائس، تحاول أن تستعيد الصورة مرة أخرى، بيد أن ماسة تختفي فجأة، تاركة وراءها النقمة، وفجور النساء، المسحوقات بالغبن.. تقول إنك تعود ثانية، تنظر إلى المرأة التي لم تزل تمارس غيها تجاهك، وتسرف في سحق إرادتك، وأنت تتأمل الوجه بإمعان، تتحرى الدقة في تصوير الردفين الناهضين، وكذلك ترنو إلى المنتصبين في الصدر، تود لو أن لك قارباً يمخر عباب ما بين الشاهقين، ثم تضع لسانك الظامئ على شفة الجبل، البنية، وتظل تلعقها حتى تحمر، ويلتهب جلدها.. تذهب بعيداً، تفر عميقاً، تتصور أنك قد تفقد عقلك فيما لو استمرأت هذا الخيال اللعين، ربما أراد صديقك أن يغري روحك، ويأسرك بما جاءت عليه الطبيعة، من أجساد لا تفنى ولا تزول، فهو الذي يجدد نسيجها، ويلون الأرض، بحاملات الصدر الزاهية، عندما تقذف على جانب السرير، لتكتمل حلقة العناق البوهيمي، وتتطور العفوية إلى شهقة ما قبل الذروة.. تقول إنك في حيرة من أمر هذا الصديق، تحبه لأنه عفوي، وتنفر منه لأنه سمج، وماجن إلى حد الانتحار.. تقول إنك تحاول أن ترتب هذه الفوضى في داخلك، تشعر بأنك، كالوعاء المهشم، نثارك يزعجك، وينهك قواك العقلية تقول إنك لا تريد أن تفقد عقلك، تريد وعيك، لكي تكمل البحث الذي بدأته، تقول إن المدهش في الأمر أن النساء اللائي تريد تحاشيهن، يتوافرن بكثرة، وينتشرن في الأمكنة كالأحجار الملونة، تتحاشى إحداهن، فتتعثر بأخرى، ولا تدري ما الذي يجعلك تتعثر ثم تتبعثر، ثم تنثر تأوهاتك حتى تنصهر الشمس التي تغسلك بالعرق..

تقول بحسرة.. ها هي، قد عادت، ويبدو أنها تريد أن تختزل الزمن في لحظة، وكثيرات هن اللائي، يعتبرن اللحظة تاريخاً يمتد إلى عقود، وتقول: لو أن هذه المرأة فكرت أن تتعرى، وتنزع كل ما على جسدها، وتأتي تواقة إلى هنا، إلى حيث أجلس في هذه الغرفة. ثم تبدأ في تهجي تفاصيل جسدها، فقرة فقرة.. يا ترى ماذا سأفعل.. هل سأكظم غيظي وأحبس أنفاسي، وأغمض عيني، إلى أن تنطفئ وتزول؟ أم أني سأرتعش خوفاً، ويخفق قلبي، ثم يغمى عليّ.. وألا أصحو إلا وأجدها تعتلي جسدي، وقد نفضت ما في جوفها، ثم تصدمني بعنف قائلة: نذل.. جبان.. رعديد..

تقول بتوجس، هل صحيح كما يقول بعض الرعناء، إن الرجل الذي لا يطفئ رغبة امرأة، إنما هو حشرة حقيرة، تستحق الإبادة؟

تهز رأسك، وتزم شفتيك، ممتعضاً.. تقول: في المجتمعات الذكورية تقاس الفحولة بقدر امتطاء الخيول الأصيلة، وهذا وهم..

تقول إنك، تسأل نفسك ثم تجيب عن سؤالك، وأنت كما أنت، لم تزل تشعر بالأسى، عندما ترمقك هذه الأنثى بعينين، تشعان بلمع الجمرات.. تقول: الحل أن أقفل النافذة، وأنكفئ على السرير، ولا أدعها تمارس الفحولة المضادة.. تقوم، وتوصد النافذة، وترخي سدول الستارة، ثم تنط على السرير كالطفل المرتجف، تأخذ سيجارة، تقول إنك صرت تداوم على التدخين، وربما لأنك تريد أن تطرد كائناً ما بدخان الغليون الخانق.. تمز الدخان، ثم تقذف بالكتلة الرمادية، خارج فيك، تتصعد ولهاً في داخلك قوة صارمة، تدعوك لأن تفتح النافذة، أو على أقل تقدير أن تطل من خلال الزجاج.. تنهض، تتردد، تعود وتجلس على السرير، لكنك تنهض مرة أخرى، ترفع الستارة، تلصق وجهك بزجاج النافذة، تلتصق أنت بكامل بدنك، المرأة تصول وتجول ولكنها هذه المرة، ابتعدت قليلاً.. يبدو أنها أنهكت جسدها ركضاً.. تلاحق شبحها المتواري، خلف سدول الظلام، وهي تتجه نحو الإضاءة الخافتة لمصابيح الفندق.. تيأس، تعود ثانية إلى مخدعك..

قلت: تملكني الخوف وأنا أجثم على السرير، وأزم شفتيّ، وعيناي منتصبتان في السقف.. قلت لو أصبت الآن بوعكة صحية، فمن سيأخذني إلى الطبيب، من سيساعدني على النهوض من هذا المخدع؟ قلت: سوف أفطس بعد أن أنفق كالحيوان الموبوء، وسوف تطير رائحتي إلى أنوف الجيران، ولن يتجرأ أحد على الاقتراب من جيفتي العفنة.. سوف يستعينون برجال الإسعاف، والإنقاذ، سوف تأخذني سيارة الإسعاف ملفوفاً بقماش أبيض.. لا.. لا.. بل سوف يطوون جثتي بنفس الملاءة التي أنام عليها، سوف يقذفون بي في حفرة عميقة، وكأن شيئاً لم يكن.. بمعنى أن هذا الكائن الذي يفكر، ويتحرك، ويسرد القصص والحكايات، وينقم على هذا، وينتقد ذاك، ويحقد على غيره، سوف ينتهي إلى لا شيء.. الحشرات التي تنفق يستفيد منها أكلة اللحوم، وكذلك الأشجار التي تتغذى على بقاياها كسماد.. أما أنا فلن تستفيد مني البشرية ولا الحيوانات ولا النباتات.. إذاً أنا أشبه بالعدم.. قلت.. ما العدم؟ أهو كائن حي، أطلق عليه العدم، كونه لا يرى؟ إذا كان الأمر كذلك فإن الفضاء يعج بكائنات لا نراها، وقد تكون ضخمة بضخامة هذا الكون الفظيع.. قلت.. ماذا جرى لعقلي؟ أصرت أهذى؟ العزلة تفعل بالإنسان ما يفعله السحر.. السحرة والكهنة يعيشون العزلة، لزرع تخيلاتهم وتصوراتهم حول الكون.. أبو سيف يعيش في عزلة لكنها عزلة غير التي يعيش فيها المشعوذون، لأنه رجل ملأ كونه بالنساء، وتشبع برائحة أنفاسهن. أما الرجل الذي حكى عنه فهذا بحق كاهن يصنع الخيال بنفسه، ويحيك القصص، وقد يسرد لي عندما أقابله قصصاً وهمية عن أم داس، لا أساس لها في الواقع.. وقد تكون أم داس هذه مجرد وهم.. ولم لا؟

تقول.. أما أنا، ما أشعر به هو شيء من الهلوسة، لو أن امرأة ما تجلس هنا في حضني، فألعق شفتيها، وأمرر يدي على جسدها، فتعطرني بأنفاسها الحارة، فلن أشعر بالوحدة.. يقولون: الذي أنجب ما مات.. الأبناء يعيدون صياغة الكيان الأبوي..

تتأفف.. تضجر.. تشعر بأنك كمن يحاول أن يتسلق جبلاً وهو عاري البدن، نزيف داخلي، إثر انسحاق قلبك بحاسة العدم.. تقول، العدم، لو نظرنا إلى أشياء كثيرة، تبدو أشبه بالعدم.. لأن تلك الحسناء.. ماسة.. بالنسبة إليّ عدم.. لأنني لا ألمسها، وشيء لا تلمسه هو عدم، لا شيء.. تضحك.. لأول مرة منذ زمن تضحك، يرتفع صوتك وترتطم الجلجلة بالجدران، فيرتد الصدى، مزلزلاً بدنك.. تأخذ نفساً عميقاً، وتقول يا الله.. كم هو الضحك مريح، أشعر بأنني أزلت عن صدري حجراً ثقيلاً.. أحس أنني أذبت جبلاً جثم على قلبي.. تنهض من الفراش تتوجه إلى النافذة، الظلام يكسو الفراغ أمامك، لا ترى غير هامات الأشجار السوداء، وهي تبحلق في الفضاء من خلال الجدران المتهالكة في البلدة القديمة.. وأنت تحاول أن تحملق لترى شيئاً ما يسعدك، تقول لا شيء.. كل الأشياء داكنة ما عدا أنوار الفندق، الذي يبدو نافراً وهو يطل على البلدة بخيلاء وبطر، كونه المكان الوحيد، الذي يتزحلق على أضواء تلألأت كالنجوم واستقر بنيانه الشاهق على الأرض الرخامية.. مكان أشبه بشجرة غريبة نبتت في تربة قاحلة.. تقول في امتعاض.. لماذا يشيدون مثل هذه المنشآت التي تقفز على مراحل التاريخ، فتبصق في وجه البيوت المتهالكة بسخرية مرة.. وتضيف، البلدة تبدو كلقمة ممجوجة أمام هذا العمران المترف، بأحجاره الكريمة، والسيراميك المنقوش بأشكال هندسية خلابة..

تقول إنك شعرت بضجة حادة في قلبك المنجبس، كمن يسحق مسماراً حديدياً على لوح زجاجي، عندما ماءت قطة تحت النافذة، من خارج الغرفة.. تقول إنك فعلاً توجست، وتخيلت في البدء أن هذا الصوت يصدر من حنجرة امرأة، تفاقم جسدها بنيران، وجودية صارمة.. توجست، حين انتهك سكونك المواء البغيض، نهضت، أطللت من النافذة، وكان قلبك يخفق، ويضرب قفصك الصدري، بضربات عنيفة، تذرعت بالصبر، أصغيت جيداً، ولما لمحت القطة، خشع قلبك، ولم تتوانَ عن الشهيق، تبينت القطة كي تتأكد أنها ليست خيالاً، تأكدت من وجودها تحت النافذة، فكرت أن تلقمها حجراً، لتهشم رأسها، لكنك، غيرت رأيك، تناولت قطعة رغيف ملفوف حول إصبع نقانق، رميته، قفزت القطة في البداية مذعورة، ثم تقدمت نحو المادة الملقاة أمامها، بخطوات حذرة، قربت أنفها من لفة النقانق، ثم انقضت عليها، ملتهمة إياها دفعة واحدة.. وأنت تتفرج على فم القطة وهي تمضغ الطعام، وعينها متربصة بأي خطر داهم، لا شك في أنها تعرف أنك أنت الذي أطعمتها، لكنها لم تزل متوجسة، وتخشى أن يكون الطعام طعماً من أجل الاعتداء عليها. قلت: لا يبدو أن القطة، من تلك الحيوانات الأليفة، وأنها تنبش في الذاكرة. قلت: القطط في هذه الأيام تبدو متوحشة، خائفة، لأن البيوت على اتساع أفنيتها ما عادت تألف القطط، هذه الحيوانات التي كانت تنام في فراش الصغار، تستنكفها الصدور اليوم، وتروغها بعيداً، بل كل ما تناله من طعام إنما من خلال براميل القمامة، وبفدائية تخوض القطط صراعاً مريراً مع الشوارع المتوحشة، فلا يمر يوم إلا تجد هرة، مسحوقة على الأسفلت..

قلت لقد أجهشت بالبكاء مرة عندما شاهدت قطة كبيرة تقف بجوار قطة صغيرة، وقد سحق نصفها الخلفي، على الرصيف، بينما القطة الكبيرة تقف مندهشة من عنفوان البشر وتهورهم، وانصياعهم للحماقة.. وهي تتلفت وكأنها تلعن من صنع هذه المركبات الحديدية، لتقع تحت طائلة من يجهل قيمتها ولا يرحم خلائق الكون.. تأملت هذه القطة وهي، تقشر قطعة الخبز، رويداً رويداً، وتلتهم بأناة بعد أن اطمأنت أن لا أحد يراقبها وقد كنت قد أخفيت جسدك خلف الستارة، وبقيت تطل عليها من خلال شق ضيق.. انتهت القطة من الأكل، وانقطع العواء. قلت: المسكينة كانت جائعة، وكانت تنادي، لعل من يستجيب.. شكرت نفسك على فعلك النبيل، أيقنت أنك قدمت خدمة جليلة لكائن لا يملك غير الاستغاثة.. عدت إلى فراشك، مستنداً، هادئاً شيئاً ما، ألقيت بدنك على الفراش، وحضنت الوسادة، بلهفة.. قلت: كم هي دافئة، كصدر امرأة حنون.. غصت في مخمل الهدوء، وأنت تغطس وجهك في نعيم المخدة الوادعة.. قلت: ليت النساء كالمخدات.. ولو كن كذلك، لما أتعبن من يعتلي أبدانهن، ولا يفرضن الشروط الطائلة.. دافئة، وساكنة، ووادعة، هي المخدة.. أما النساء، فهن أشرس من الضواري إذا لم يعرف الرجال فن المعالجة لأجسادهن الملتهبة.. تغوص في المبهم، تهيم.. تدوم في اللحظة الراهنة، وتختصر عمرك، في معانقة القماشة المحشوة بالقطن.. تقول: يجب أن أنام لأصحو باكراً، وأذهب إلى أبي سيف.. بالتأكيد هو ينتظرني، ليس لاصطحابي إلى الكاهن، بل لسرد بطولاته، ومنجزاته الحضارية العظيمة مع حسنائه البديعة.. سوف يقول لي ما لم يقل في الحكايات الأسطورية، ويفرد ذراعيه مفتوناً بنفسه.. وسأجلس أنا كالتلميذ النجيب الذي ينصت ولا يسأل إلا حين يسمح له بالسؤال..

يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #13  
قديم 12-25-2012, 11:41 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

عند الرجل الجليل، الشيخ ضاوي، تصلبت أنت، وشخصت البصر، تتبين الوجه الناحل، المعشوشب بالشعر الأبيض واللحية الطويلة.. عيناه الحمراوان تدوران كجمرتين، وأسنانه البيضاء التي يفركها بالمسواك بين الفينة والأخرى تبرز من فم، تدلت شفتاه الذابلتان..

تقول إنك كنت مشدوداً، ومتوتراً، وزادت هيبة المكان رهبة في قلبك، الغرفة الصغيرة المزدحمة بالكتب والأوراق، والأقلام، والأواني الخزفية تتناثر بلا نظام، والملابس المعلقة في مشابك ثبتت عند زاوية من الجدار، ولكن ما كان يشعر بجلال المكان، هذا الصمت الخفي لكل ما يدور من حولك، والنور الخافت الذي، انسل منه الشيخ ضاوي كالسيف القديم قدم الدهر.. قبل أن ينطق بأي كلمة، قلت إنك اقشعر بدنك وبدأ قلبك يخفق خفقات ضارية، خشيت أن تقع مغمى عليك وتسقط أمام الرجل ولا تحظى بمرادك، وتعود خاوي الوفاض.. أجل قلت إنك خفت أن تفشل في هذه الجولة، وبالطبع لن تكون بعدها جولة أخرى، لا شك في أن أمثال الشيخ ضاوي يهمهم أن يكون الشخص الذي يجلس أمامهم، يشعر بالرهبة، فالسيطرة على مشاعر الطرف الآخر لا تتوافر إلا بالاستيلاء، على إرادته، وكلما كان الشخص ضعيفاً، سهلت المهمة.. مهمة، السطو على عقله وجعله وسيلة مطيعة، للإقناع.. قلت إنك لبثت هكذا متماسكاً شيئاً ما، أو بالأحرى، أنك تحاول أن تتشبث بخيط الصمود لتتمكن من قلب هذا الرجل الذي يبدو عليه ومن خلال هذه الأكوام من الكتب، أنه يملك معرفة واسعة، بالشأن الذي جئت من أجله، كان صديقك أبو سيف يجلس بجوارك، متحكماً في أعصابه، بل إنه يشبع الرجل بابتسامات عريضة، قلت.. أيقنت أن أبا سيف أكثر صلابة منك، أو أنه يحاول أن يخفي ما يكنه في جوفه، لكي لا يضعف.. قلت في نفسك: أنا أيضاً أستطيع أن أكون مثل هذا الزنديق.. أستطيع أن ألجم خوفي، كما يفعل هو.. ولماذا الخوف من رجل كسائر البشر؟ فلا يحمل سلاحاً، ولا منجلاً كما تفعل أم الدويس.. إنسان عادي بطبيعة عفوية، وربما تكون سحنته تختلف عن سواه، كونه يعيش في هذه العزلة، ولا يهتم بهيئته.. تقول، عندما فتح الشيخ ضاوي عينيه، ورفع بصره، ليطل عليك، بشعاع، أو أشبه بوميض البرق، ارتعدت فرائصك، قرفصت ساقيك الباردتين، وفرقعت أصابع يديك، وتلمظت، حاولت أن تشيح قليلاً ناظراً إلى صاحبك، الذي أسرف في التحديق فيك وكأنه جاء لاستجوابك، وليس لسؤال الشيخ ضاوي، لبثت هكذا مضطرباً حقيقة، وجفناك يطرفان، بتوتر، وأنت تحاول أن تلتزم النظام، تحاول أن تخرج من شرنقة الخوف، تريد أن تطير قليلاً لتحلق في السقف.. قلت في نفسك: لو أن إرادتي تحملني قليلاً إلى فوق، وأظل معلقاً في سقف الحجرة الخشبية، سوف أطرد هذا الشيطان الذي يسكن تحت جلدي، ويهز جذعي، كأنني جذع نخلة تشوهت، شعرت بأنك تتشوه أمام الشيخ الجليل وأنت الجامد كالخشب المسند، لا تملك إرادة الكلام، وصاحبك ينظر إليك، يلاحق خفقات قلبك ثم يشيع الشيخ وكأنه يريد أن يحثه على الكلام، طالما يئس من تحريك لسانك المتبلد.. تقول: تنحنح الشيخ، وتزحزح معتدلاً، مسنداً ظهره إلى الأريكة القطنية، ثم أطرق: ما اسمك يا ابني؟

قلت: فيروز.

قال: ونعم الأسامي.. ثم أردف هل تعرف أن الفيروز هو من الأحجار الكريمة..

قلت: نعم وأنت تهز رأسك..

قال: وأنت فيروز..

قلت: شكراً سيدي..

وكانت إجاباتك وردودك مقتضبة، ومتلعثمة..

قال في لهجة، باردة، وجادة..

أنت مرتبك؟

أومأت برأسك.. لا.. لا سيدي..

قال: بلى..

زممت شفتيك والتزمت الصمت..

يتدخل صاحبك.. هو دائماً هكذا.. خجول وقليل الكلام..

يبتسم الشيخ.. ثم يغمض عينيه، وكأنه يبحث عن كلمة ما.. قال..

الحياء من الدين، ولكن أحياناً يخسر الإنسان جراء حيائه الكثير الكثير من المواقف.. ثم يستطرد.. لا يا ابني.. عند مجالسة الرجال يجب أن تفتح قلبك وعينيك، ولا ترتبك، حتى تستطيع أن تصل إلى ما تريد بوضوح.. قلت: شعرت بأنك كالصبي الصغير، يتلقى التعليمات، كرهت نفسك.. احتقرت تصرفك المشين، قلت: كان عليّ أن أكون أكثر جرأة، وأن أتخلى عن خوفي.. هو وصف تصرفي بالخجل، لأنه لا يريد أن يحرجني، لكني أعرف أنه يقصد أنني جبان. ثم أردفت.. كيف أعد نفسي مثقفاً كبيراً، وأجتهد لحل معضلة شغلت الناس، كما شغلتني وأنا أجبن أمام رجل أشيب، أقرب إلى الهيكل العظمي..

يتدخل صاحبك قائلاً.. بلهجة، مترفة: فيروز جاء ليستعين بك يا شيخ..

تنحنح الشيخ ضاوي.. أبشر.. نعين ونعاون..

قال صاحبك: فيروز يريد أن يجمع معلومات عن أم الدويس، وهو مشغول بها كثيراً، ويريد أن تساعده..

يضحك الشيخ ضاوي.. يفتل لحيته، وعيناه مسقوفتان في الأعلى، ثم يطرق: ماذا يريد أن يعرف عنها.. فهي لم تشغله هو فقط، بل شغلت الناس أجمعين، وخوفتهم وأرعبتهم، وبخاصة منهم الجهلة، وقليلو المعرفة بهذه الكائنات، الماورائية، العملاقة..

استيقظت خلايا جسدك.. واستقرت الجمرات تحت جلدك، قلت إنك لما نطق كلمة الماورائية، شعرت وكأنه يريد أن يغوص، بك في أعماق غائرة، أو أنه يريد أن يفض بكارة المبهم في هذا العالم.. تحريت وجهه الجامد، قرأت تفاصيل بشرته السمراء الناحلة، سحرتك بلاغته.. أحسست بأنك صغير جداً أمامه.. كنت تتخيل أنك ستقابل رجلاً طاعناً، يحفظ قصصاً خرافية، قد تفتح لك مجالاً للشك لا أكثر، بينما الآن وأنت تجلس قبالته، يواجهك كائن خرافي عجيب، يطل عليك، بمحيا، واجم لكنه ليس مكفهراً، بقدر ما هو مرسوم على شكل إنسان قديم، جاء من عالم ماورائي، ليحكي للناس عن قصص الجن، والكائنات العملاقة والمهيبة..

كان صاحبك يرقب الموقف عن كثب، كان ينصهر قلقاً من ارتباكة أصابعك، كان يخشى أن تخذله. فقد وصفك بالباحث، والمثقف، والأكاديمي، الذي يهم بإجراء دراسة عن أم الدويس، بينما تبدو الآن أمامه كطفل مرتعد يكاد يتبول على نفسه..

قلت: كان الشيخ فطناً، محنكاً، أدرك أنك لم تزل لم تألف الموقف، وحتى يخفف من وطأة اضطرابك، استأذن ليعالج إبريق الشاي.. غاب برهة، فلكزك أبو سيف قائلاً: ما بك، تنتفض هكذا.. ألست أنت الذي طلبت مقابلة الرجل، ها هو يجلس أمامك، رجل مسالم، رزين، وذو شيمة عالية، فليس ساحراً، ولا دجالاً، ولا مشعوذاً..

قلت إنك.. تمتمت، بلهجة أقل اضطراباً.. لا عليك، دعني قليلاً وسوف أعيد ترتيب مشاعري، رهبة الموقف، ولأول مرة، أجد نفسي أمام رجل كهذا وبهذه القامة المهيبة، فلا بد أن أكون مرتبكاً.. ثم وأنت تربت على ظهر صاحبك، هون عليك، وسوف أستعيد طاقتي، وأوجه الأسئلة إليه تباعاً.. زم صاحبك شفتيه، ملتزماً الصمت.

أخذ صاحبك كأس الشاي قائلاً: من يد لا نعدمها..

وأخذت أنت كأسك، شاكراً فضل الشيخ..

يتربع الشيخ بجوارك، وابتسامة مشرقة تتراقص بين شفتيه..

قلت: شعرت بالارتياح، ربما من سخونة الشاي، أو من الابتسامة، المهم، أنك شعرت بشيء من ارتخاء الأعصاب، وأمسكت الكأس الكبير بيديك، وعيناك تشخصان في وجه الشيخ، قلت في نفسك متحدياً، هذه المرة لن أدعه ينتصر عليّ، لن أتركه يشيع الفزع في نفسي، ويبدو أنه رجل وديع، بوداعة الكائنات النبيلة الوادعة.. لا بد أنه بدا لي كذلك متوحشاً أول الأمر، أو أنني أنا الذي تصورته هكذا، بينما هو على غير ما تخيلت..

قال صاحبك وهو يثبت كأس الشاي قريباً منه: قلت لي إنك تعرف الكثير عن أم الدويس، وسبق أن أعطيتني موجزاً عن كنهها، وفيروز جاء ليعرف من هي أم الدويس، لأنه في واقع الأمر يريد أن يكتب بحثاً علمياً عن قصتها..

الشيخ ضاوي، تتغير سحنته، وتلمع عيناه، ببريق، على أثره اغرورقت عيناه، وهو ينظر إلى السقف، فقد تحول من النظر إلى الرفيقين، لينظر إلى سقف الغرفة.. قلت: لقد شممت رائحة تاريخ، وحكاية قديمة قدم الزمان، وعلى الرغم من إحساسك ببقايا الارتباك، إلا أنك شعرت برغبة جامحة، لسرد الشيخ، وكأنه كان في تلك اللحظات يستجمع مفردات ما سيقوله، أو أنه يريد أن يزرع هالة فخمة على حديثه كعادة كل من يملك معلومة، يجهلها الآخرون.. سررت جداً، من لباقته وفخامة لهجته، وسرعة بديهته، وهو يحاول أن يمهد للحديث عن أم الدويس.. وكان صديقك يترقب الموقف على الرغم من عدم اهتمامه بما سيقوله الشيخ لأنه لم يفكر قط في أن يعرف عن أم الدويس، بل عن كائنات أخرى تهمه كثيراً..

ينبري الشيخ ضاوي معتدا بنفسه، متباهياً بقدرته الفائقة على استدعاء معلوماته من مخزن الذاكرة، وأنت تستمع بإمعان، ورهافة حس، تشعر بأنه يسليك، ببلاغة لفظه وطلاقة لسانه وحسن ترتيب أفكاره، وبداهة تنظيم مشاعره، وهو ينسج خيوط الكلمات تباعاً، بإبرة الفكرة الحادة..

قال.. يا ولدي، قصة أم الدويس ليست حكاية تنفرد بها بلادنا، بل هي موروث إنساني، تعاقبت عليه شعوب وحضارات، وهي قصة لا تخلو من الغرابة العجائبية، والدهشة والخيال الجامح، ولأننا جزء من هذه الحضارات العريقة، وامتداد لها، وتقول الروايات إن أم الدويس امرأة.. ويدق بإصبعه قائلاً: انتبه إنها امرأة، جبارة، ماكرة، مخادعة، ذكية وعدوانية، شرسة، لم تتخصص في إرهاب الأطفال كما هو شائع، بل كانت يدها العملاقة تمتد لتطال الرجال والنساء.. ثم يضيف الشيخ ضاوي، وهو يعتدل في جلسته منسجماً مع حمية القصة الرهيبة قائلاً: تقول الروايات، إن كورونوس، وهو اسم قديم لحضارات قديمة، ابن لملك الجن أورانوس، وكانت زوجة أورانوس غايا امرأة عنيدة، عنيفة، أنجبت لأورانوس، خمسين من الأبناء الذكور، جاءوا مشوهين بعاهات مزرية، وقد لعن أورانوس هذه الولادة البغيضة، فأراد أن ينتقم من زوجته غايا، فاسترق الوقت، وأخذ الأبناء المشوهين ليدفنهم في حفرة عميقة ويتخلص منهم، بيد أن غايا استنكفت فعل الزوج، ووجدت في سلوكه ما يشين، ويجحد أبسط معاني الأبوة، فاستطاعت بذكاء الأنثى أن تحبط هذه المؤامرة الكونية، فأخفت عن الزوج أحد الأبناء، والذي هو كورونوس وربته على كره والده، ولما كبر الابن، أوغرت صدره بالحقد على أبيه، وفكرت في خطة جهنمية مفادها، أن تنصب كميناً للزوج، وتهدي الابن منجلاً.. يرفع ضاوي حاجبيه، انظر ماذا فعلت، أهدت كرونوس الابن منجلاً، وطلبت منه أن يهوي على رأس أبيه بهذا السلاح الفتاك ليتخلص منه، وينقذ إخوانه الذين أقصاهم والده.. لكن، الابن لقلة خبرته في القتال لم يستطع أن يقضي على أبيه، بضربة المنجل، فظل أورانوس ينزف، وهو يهدد ويتوعد بالثأر من الزوجة والابن، لأنه فهم أن المؤامرة مدبرة من قبل غايا زوجته، فما كان للزوجة من وسيلة، كي تنجو من ثأر الزوج، إلا لتأخذ المنجل، وتذهب إلى المكان الذي ينطرح فيه الزوج جريحاً، وتهوي عليه بالمنجل بضربة قاضية، أنهت حياة رجل حافلة بالجرائم.. ولما انتهت من المهمة، طالبها الابن بالمنجل ليحمي نفسه من الأعداء، الذين تضامنوا مع ملكهم أورانوس، لكن غايا أصرت على أن تحتفظ بالمنجل كونه السلاح الذي سيمكنها من معاقبة أي رجل يحاول أن يعتدي عليها، ومنذ ذلك التاريخ الضالع في جذور الجغرافيا، وهذه الجنية تتأبط منجلها، أو فأسها، كما نسميها نحن في بلادنا، وصدرها يفور عدوانية ضد الرجال، وهي لا تستثني النساء أيضاً، كونهن جزءاً من الأصلاب الرجولية.. ثم يحملق الشيخ ضاوي في وجهك، قائلاً: هل رأيت يا فيروز كم هي المرأة عدوانية وشرسة، إذا داهمها الخوف على مصيرها.. كان رفيقك ساهماً، شارداً، متوغلاً في وجه الشيخ ضاوي، الذي بدأ يتلون ويتشكل منفعلاً بأحداث القصة، وأنت يرتعد في داخلك كائن آخر غيرك أنت.. أنت تحاول أن ترتب أفكارك..

ثم تقول متسائلاً: وهل هذه قصة حقيقية يا شيخ؟

يهز رأسه، قائلاً: بالتأكيد.. ثم يضغط على مخارج ألفاظه قائلاً: أتعرف ماذا تعني أم الدويس؟ افهمها أنت كما شئت.. إنها الموت.. الموت المحقق الذي يغتال الأغبياء والضعفاء والذين يرفضون الحياة.. ثم يستطرد الشيخ ضاوي.. أورانوس يمثل في حقيقة الأمر الكائن الأناني، المتفرد، وأم الدويس، تتجلى في صورة القدرة فائقة العتمة، الماورائية الجبارة، تمثل الصراع الأزلي بين الحياة والموت، بين القوة والضعف، بين الحب والكراهية، قل بين المتناقضات بمجملها..

تبهت أنت، تتفرس في وجه الشيخ ضاوي، تتأمل حركات وجهه، وإسرافه في عض شفتيه وهو يهيل اللعنات على أي شكل من أشكال العدم.. ثم تقول: ولماذا المرأة بالذات؟

قال: لأنها الطرف الذي نال ما ناله من ظلم واضطهاد، على مدى التاريخ الإنساني.

تقول: وهل فعلاً أم الدويس تحمل منجلاً.. فأساً؟

يقول: أجل.. أجل، هذا شيء أكيد.

أرأيتها؟

نعم رأيتها.. ثم يتلمظ.. ويلوك لسانه في حلقه..

وكيف رأيت شكلها؟

امرأة عملاقة، تحمل ذراعاً أشبه بالمنجل العملاق..

وأين رأيتها؟

في مكان ما.. لا أستطيع أن أوضح أكثر من ذلك..

ولم لا؟

يقول: أخشى من الضرر..

ممن؟

من أم الدويس..

وهل هي تسمعنا الآن؟

يهمس بصوت خفيض.. أجل تسمعنا..

وهل هي تجوب الأمكنة ليلاً ونهاراً؟

الشيخ ضاوي.. يأخذ نفساً.. يعلو صدره وينخفض.. قائلاً بلهجة جادة: يا ولدي يا فيروز.. يجب أن تعرف أن علاقة أم الدويس ليست مرتبطة بالبشر، بل هي بالكواكب، والذي لم تعرفه أن ألد أعداء البشر هو كوكب زحل هذا هو رمز الكون والعالم، وهو المسيطر، والأسود وسبب النهاية، وهو الدمار والموت، وجالب الخراب، والباطش المستولي على الأرواح.. ثم يتوقف الشيخ ضاوي برهة، يسترد أنفاسه، ويستطرد قائلاً: زحل هو هذا الكائن المتوحش، قابض الأرواح الذي تنطلق منه أم الدويس..

تتقطع أنفاسك، وكأنك، جلبت حجراً ثقيلاً على صدرك بمسافة عشرة كيلومترات، تحاول أن ترتب مشاعرك المبعثرة، تحاول أن تستعيد ما قاله الشيخ ضاوي، تحاول أن تصدقه.. تحاول أن تكذبه.. تحاول أن تقف في منتصف الحيلتين، لكنك تقع في مستنقع بأسك، تتدهور في الوحل، تتهور، تفكر أن تصفعه، وتفر هارباً بجلدك الذي برد وتعجرف، تحاول أن تقبله على جبينه وتقول له، عافاك الله، لقد أفدتني.. تحاول أن تنهض، زاماً شفتيك، ولا تنطق بأي كلمة.. تتلفت، تنظر إلى صديقك الذي ذاب في المكان منبهراً، والابتسامة تطوف على وجهه، كحشرة ملونة بألوان الطيف..

الشيخ ضاوي، يمقت الصمت.. ينهض ليجلب الشاي..

يشرب صديقك.. وتشرب أنت، لتذيب مرارة حلقك، تدلق نصف الكأس في فمك، تحرقك السخونة، لكنك لا تبالي، تضيف النصف الآخر..



يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #14  
قديم 12-25-2012, 11:41 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

في البيت، وقد رفضت أن تمضي ليلتك في ضيافة الصديق، كما اتفق، كانت النجوم تتساقط على رأسك، وكنت تتوخى الحذر من تسليط زحل، لمنجله على عنقك.. كنت تضحك أحياناً من سذاجة الشيخ الذي ظن أنك طفل أراد أن يهدهد مشاعرك لتنام على فخذه مستريحاً، ثم تنتفض مسترجعاً الحديث عن المرأة الجبارة المخادعة، تذكرت نيران، الفتاة الصحراوية، التي نبتت على الرمل فجأة، ثم ذابت مع أعشاب الكثبان، وتختفي إلى الأبد.. داهمك المساء، وكنت تنوي الذهاب إلى الصحراء، وتبحث عن نيران، تبحث عن المرأة الجبارة، لتسطو على جسدها في لحظة انهيارها، ثم تعود أدراجك، لتخيب ظن الشيخ ضاوي، الذي تمثل شخصية أم الدويس، كعملاق، ختار، مكار، جبار، مخادع، ومجرم فتاك.. تخيلت المرأة الأجنبية التي تمر في كل يوم بجوار نافذتك، تخيلتها وهي تهوي على رأسك بقضيب حديدي، وتجعلك تنزف إلى أن تموت وحيداً في غرفتك المعزولة.. تخيلت الموت.. قلت: الموت.. هل هو أنثى؟ هو أيضاً يقبض الأرواح، ويحيل البشر إلى العدم، الموت، يجعل الأشياء تذهب إلى اللاشيء، الموت يبكي، ويحزن، ويعذب.. قلت: قم يا فيروز، وأحكم إقفال باب غرفتك، ففي الصباح رباح.. ثم، أطرقت قائلاً: وإلى أين ستذهب؟ الموت في كل مكان، والشيخ ضاوي أكد، بيقين العارف، أن زحل، قابض الأرواح، وزحل يقف الآن فوق رأسك.. لن تستطيع أن تهرب بعيداً فهو في كل مكان..







قلت يائساً: سأبحث عن ماذا الآن.. عن زحل.. عن أم الدويس.. عن المرأة.. أم عني أنا.. أنا لا شيء في حضور امرأة، تحتفظ بمنجل ورغبة جامحة في القتل..

تقول إنك تخاف منها، لكنك ترغب في أن تراها، تقول إنك تشعر وكأنك ذاهب إلى الجحيم، لكنك تتمنى أن تراها، لتملأ عينيك، بزهو التفاصيل، الفخمة.. ماذا لو أطلت عليك الآن، من بين كثبان الرمل، ورمقتك بعينين لامعتين، وقالت لك: هيت لك..

تقول إن بدنك بدأ يسح بالعرق الغزير، وإن قلبك صار مضغة منبجسة جراء الحرقة الداخلية.. تحاول أن تكذب كل ما رواه الشيخ ضاوي حتى لا يثبت مقولتك إن المرأة كائن فظ غليظ القلب مهما تحايل على مشاعر الرجل، وأفصح عن مكنون هو غير جبلته.. تذهب بعيداً والصحراء الغارقة بتاريخها المجيد تطويك كطي السجل، تأخذك بين أحضانها، تضمك، وأنت طفل، روعته الثقافة، خذلته المرأة، طعنته الجهات المتوحشة.. صديقك أبو سيف، لم يبالِ بما قاله الشيخ ضاوي، قال لك جملة واحدة، لم تزل تطن في أذنيك.. دعك منه.. ولا تدري لماذا إذاً ساقك إلى مأواه؟ ولماذا وصفه في البداية بالكاهن؟ وبعد سماع حديثه عن أم الدويس، استحال إلى مناهض، أهو أيضاً خائف لكنه يريد أن يدس خوفه في حزمة كلمات غامضة.. أم أنه أصبح لا ملاذ له غير جسد المرأة، فلا يستطيع أن ينفر منه، أو يستعديه ضده؟.. تحتار أنت، تفتح علبة السيجارة التي خبأتها في جيبك، ثم تستل صلباً وتشعله.. تدخن بشراهة، وتنفخ الدخان، في فم الصحراء المفغور، وتتأوه.. الوقت لم يزل مضاء بالأشرطة الذهبية، المنبثقة من قرص الشمس، المستدير عند الغسق، أصفر لامع، يميل إلى البرودة شيئاً ما. قلت متذمراً: تحدث عن زحل، وربطه بالموت ولم يقل شيئاً عن الشمس.. كم من البشر دفنوا هنا تحت هذه الرمال، لأن الشمس امتصت الماء الذي يشربونه، ويسقون منه الزرع، ويروون به ركابهم.. لم يفه بكلمة عن الشمس، ويبدو أنه من أبناء زحل.. تضحك بمرارة، ثم تطرق: أليست هذه حكاية غرائبية.. يتحدثون عن زحل الذي لا يرونه ويشيحون عن الشمس؟

تمضي.. تتوغل في الرمل، القرص الأحمر، يذبل، يتهاوى شيئاً فشيئاً، يتوارى خلف حجب الكون.. وأنت لا تضيء طريقك سوى بعض أنوار البيوت السفلية المضاءة، بالجنريترات الخاصة.. تكتسب الصحراء وقاراً مسائياً، وأنت على يقين أن الفتاة التي تبحث عنها لن تجدها، وربما جئت في هذا الوقت بدافع باطني.. اللاشعور يحفزك على عدم الالتقاء بها، يخوفك من المرأة، يهز جذعك بعنف وأنت تقترب من منازل المخيمين صيفاً.. تسمع أصواتاً وضحكاً، وصراخاً، وأغاني في بعض الأفنية.. يشدك نشيد قديم إلى الأغاني الشعبية، تتوقف، وتنصت، لكن عينيك تبحلقان في العراء، ربما تبزغ نيران من بين أكفان هذه البيوت المتلفعة بالجريد وجذوع النخل.. عند منحدر رملي تسمع صراخ شبان، غطست مركبتهم في بحر من الرمل، زئير سيارة الفورويل، وهي تحاول أن تنتشل أقدامها من الرمل الذي غطست في أحشائه، وكذلك الدخان، والغبار، سحابة في فضاء متوحش، تسير بالجوار ولا تقترب، أنت تقول، إنك حريص على عدم الاقتراب من الشباب في هذه الأماكن، وبخاصة وقت المساء، أغلبهم يكون قد عبأ رأسه بالخمر وتاه في الصحراء بحثاً عن نقاهة، صرت الآن في مواجهة المركبة، صرت بعيداً قليلاً لكن تسمع الأصوات، وتختلس بمسمعيك أيضاً ضجيج نساء، إذاً الشبان بصحبة نساء، فقد يكن من أقاربهن وقد لا يكن.. الليل هذا، مجمع ثقافات، كما أنه وعاء تختلط فيه الأجساد، والأمزجة.. ابتعدت قليلاً، سمعت صوتاً يناديك.. صوتاً يريد المساعدة، سمعت في الصوت لون استغاثة، لكنك صممت على عدم الانصياع لضميرك الذي هش لإنقاذ مأزومين.. قلت يبدو أنهم في حاجة حقاً إلى المساعدة، لكنك تزم شفتيك، قائلاً: وما شأني أنا بهم.. دعهم يعانوا قليلاً، كما يعاني الآن الفقراء في هذا البلد، الذين يشقون، ويكدون ويكدحون، ويحفرون الصخر من أجل لقمة العيش.. المترفون يجب أن يشعروا بقيمة التعب..

تقول إنك وقفت على تلة.. ربوة رملية، محاطة بشريط من الأعشاب الشائكة، والظلام قد يخفي حشرات ودواب، والأفاعي السامة، هي المستوطنة هنا منذ الأزل.. كثيرون ذهبوا ضحايا هذه الوحوش، القاتلة، الحطابون، والمزارعون، والسقاؤون.. على الرغم من أن ضجيج المركبات الهادرة طرد الكثير من هذه الحشرات، إلا أن الأمر لا يخلو من بعضها المتربص بالضحايا بين هذه الأعشاب..

رميت بدنك على الرمل، المغسول بالندى، بعيداً عن التلة قليلاً عند المنحدر، ألقيت بأشواقك، مختلطة بأحزانك، ممزوجة بدهشتك، صرت تبحث عن الفكرة الضائعة، صرت تفتش عن زحل بين النجوم.. قلت لنفسك: أنا مجنون.. زحل، أي زحل، ليس هو إلا في رؤوس الذين يختبئون في عباءة أم الدويس.. بعد برهة، سمعت خشخشة بين الأعشاب القريبة، فرت عيناك، من محجريهما، انتفضت، جلست، ثم استقمت، قلت.. يجب أن أغادر المكان، حذراً، يبدو أن حشرة ما تكمن هنا.. تمشيت الهوينى، سرت بعيداً، بعد فترة، لمحت حيواناً صغيراً يهرول، في اتجاه المنحدر، بعيداً عن مكانك، تفحصته، تمليت شكله، فهمت.. قلت هذا ثعلب.. كيف جاء إلى هنا هذا الماكر المخادع.. الثعلب يجري بسرعة فائقة ثم يقع.. ظننت أنه يخدعك، تقدمت نحوه، وقفت قريباً منه، ركلته بقدمك، فلا حراك.. قلت.. يبدو أنه أصيب بلدغة.. قلت الحمد لله الذي فكرت في الابتعاد عن مكان العشب.. هذه لدغة أفعى مميتة.. لم تمر دقائق، على ارتطامه على الأرض، حتى انتفخ الثعلب، وذهب مع الريح.. قلت: مسكين، الثعلب غدار، لكنه يجد من يغدر به، ويلقيه صريعاً، ثم تطرق: إلا أم الدويس، فلا أحد يستطيع أن يفتك بها.. إذاً فهي إله، كما يقول الشيخ ضاوي. هي إله الموت في جميع الثقافات، منجلها يعني الحصاد، والانتهاء من الأشياء ساعة البطش..

الليل، مسامر، مقامر، مهاجر في معصية النور، لكنه خير دليل على صدى الهمسات، عندما تختلس جنحه، فتطير مع النسيم المبلل بقطرات السماء.. يصون الليل، شرف الناعسات الفارعات اليافعات المترفات، بمجون الأحلام الصبية، تقول إنك كنت وادعاً في مشيتك، متلاطفاً مع الشعاب الرملية الطبيعية، فإذا بك تسمع ضحكة، اخترقت شغاف القلب، توجست، بهت، كيف لهن، تسللن بين ما يعرشون، ويطفن الأمكنة كأنهن الفراشات التائهة.. كيف أودعن الخشب المسند بين الجريد المسقوف، وجئن إلى المنحدر.. انحدرن، بكعوبهن العالية، يخفقن، بصدور كواعب، ويهززن أردافاً ممتلئة بالفخر والاعتزاز.. تنحيت وأنت تمر بالقرب من عطرهن الأخاذ، تحريت الأنفاس، المشتاقة إلى رائحة التراب، تمليت العيون الملتصقة من خلف حجب السواد، اللعين، والمحتال على ثقافة البؤس.. كانت اللفتات، الملهمة، تجري في الدم جريان الشلال، في أحشاء وادٍ مقفر..

خففت من وطء قدميك، ولكن قلبك الذي هبط من علو مجده تخبط كثيراً، وأنت ما بين النزعة إلى اللحاق بركب السائرين، ورغبة التلحف بملاءة الليل، والتعوذ من رغبة الشيطان.. أنت ما بين البين، أنت في وسط الشلال المتدفق بين الشرايين والأوردة.. أنت تسمع بإنصات إلى زمجرة الداخل، الممتعض من الهرولة، الممتقع من هول المفاجأة.. نساء في هذه الساعة من العتمة، أين هن ذاهبات؟ لا تدري ولكن قلبك حدثك عن سر.. أن المرأة المتشحة بالسواد، المشنشلة بالجواهر، المعبقة بالعطر الساحر.. امرأة مكافحة من أجل المصير.. مصير أنثاها النائمة تحت جلدها، اللابدة بين الشريان والوريد.. قلت هل أتبعهن، وأجازف؟ فتلك مراهقة رعناء.. أم أمضي في طريقي بسلام؟

سيخبرك صديقك بالنبأ اليقين.. ويقول هازئاً بجفولك.. يا لك من رعديد جبان.. كيف لم تلبّ واجب الوطن؟

ستقول: وما علاقة الوطن.. بنساء، طارئات..

يقول: هن بنات الوطن.. خرجن للاطلاع على آخر مستجدات الطريق، وللأسف فإنهن قابلن مصدراً من مصادر البلادة، واليأس..

ستضحك، مستخفاً بعباراته الركيكة.. لكنك، سوف تفتح مصراع الباب الداخلي ستشعر بأنك متخاذل إلى أبعد الحدود.. الرديف الداخلي، سيؤنبك، ويوجه إليك إصبع الاتهام، بأنك شخص غير مرغوب فيه، في المكان الذي مررت به.. ستقول لماذا؟

سيقول لك، لأنك، حشوت الفؤاد بحزمة، من الأزمات الداخلية، حين اقشعر بدنك لمجرد أن صادفت نساء، كن يتوخين منك اللطف بالقوارير..

تضحك ساخراً.. لا تدري ممن تسخر.. من نفسك.. من صديقك.. أم من هذا المتوهم الداخلي، الذي بدأ يزلزل كيانك، ويجلجل مصرحاً بأنك بالفعل كائن جبان.. تقول.. جبان.. ثم تضرب الأرض بقدمك، وتنهزم من المكان، ناقماً، محتدماً، متورماً، متأزماً.. وفي الطريق، تبحث عن مركبة تقلك، تسأل عن خيرين يأخذونك إلى مأواك الأمين..

تقف على الرصيف متحاذراً من التائهات في حماقة.. يطير بدنك مع الهواء المنسحب بسرعة فائقة إثر مرور هذه الصواريخ الأرضية.. يتوقف شاب، يقول: لن تجد سيارة أجرة في هذا الوقت من الليل.. تفضل لأصحبك إلى حيث تريد..

شكراً.. تقول شكراً، وتلبد على الكرسي الأمامي، بجوار السائق، كتلميذ مهذب، لم تنبس بكلمة.. وكان يرمقك بنظرات خاطفة، ثم يحلق في الطريق..

نزلت وشكرته ثانية، وودعته بابتسامة حنونة، وغادر هو ممتناً..

أيقنت أنك عدت بخفي حنين..







شهر أغسطس ذروة الصيف، والحرارة في هذه البلاد تصل إلى الخمسين درجة مئوية.. بمعنى أنها حرارة تبلي الحديد فكيف بأجساد البشر.. قديماً كانوا عندما يصاب شخص بضربة الشمس، يقال إنه أصيب بمس.. أي أنه صفعه جني. ضحايا كثر ذهبوا جراء اضطهاد الطبيعة وظلم الناس للناس.. البيدار هذا خادم النخل، والمعني بشؤونها بدلاً من صاحبها، الذي يقف كالمتفرج، مقابل مبلغ زهيد من المال، وأحياناً لا شيء يأخذه هذا البيدار سوى ما يملأ بطنه من التمر وخشاش الأرض الذي يطعم به ماشيته قليلة العدد..

اليوم تغيرت الحال، البيدار سكن البيوت المكيفة، وصاحب النخل عافها، لتصير إلى إعجاز خاوية، تنحني جذوعها منتحية شاكية إلى الأرض، التي هي أيضاً فقدت نصيبها من الماء الذي ترطب به طينها..

كل شيء يبدو يابساً، أعجف، ولو زرت إحدى المزارع، ستظن أن حرباً طاحنة دارت رحاها على هذه الأرض، فخلفت الخراب والدمار، وعبوس البساتين التي كانت..

مررت عند شارع خال من المارة والسيارات ولا أحد غير عمال يسدون الطريق، ويعكفون على الحفر بالمناجل وقضبان الحديد، إيذاناً لرصف شارع، ضمن شبكة من الطرق، المزمع إنشاؤها.. تطور مذهل تشهده البلاد، وحشود من العمال الآسيويين، يتقاطرون على المكان، وشركات كبرى عالمية ومحلية، تنسج خيوطاً من العمل اليومي الدؤوب..

تقول.. أذهلك منظر وجوه العمال السابحة بالعرق، تحت جحيم ناري، يصلب أجسادهم السمراء الناحلة، وقفت تتأمل، وتتفرس في المشهد الجنائزي، الذي يعيشه البشر هنا، عصر من العصور الوسطى، يمارس في القرن الواحد والعشرين.. تُلِفتَ في داخلك.. هذه هي الرأسمالية المتوحشة، تأكل أجساد البشر، وتكوي قلوبهم، بالضئيل من المقابل المادي الذي لا يساوي شهقة عامل، ساعة الإنهاك..

انبجس قلبك وأنت ترقب الرجال المنهمكين المنهكين في مقارعة حمى الوقت بسواعد تورمت عروقها من سطوة التعب، لمست شيئاً من العار الذي ترتكبه الإنسانية عندما يموء وجدان بشر، تحت لظى الموت البطيء، بينما يختال آخرون مبتهجين بالسعادة الكونية التي نزلت على رؤوسهم، إثر بزوغ فجر النفط.. قلت في نفسك.. أتخيل هذا الزيت الأسود كذراع أم الدويس، العملاقة التي تهوي على الرؤوس، فتهشم عظامها.. غضب بشري، يقع على كاهل بشر آخرين.. ولكن الحياة يجب أن تستمر.. لا بد أن يموت أحد ليحيا أحد.. هذه سخرية من سخريات القدر، حينما يلهج الناس وراء النمو الحضاري، على حساب أرواح آخرين، تزهق، تحاول أن تأخذ مكاناً في الظل، لتحمي عظام رأسك من السياط اللاهبة، تحاول أن تكون بعيداً عن السعير.. قلت: ما الذي دفعني لأن أغادر البيت، وألتقط هذه النيران على قلبي.. أشعر بالموت وأنا أشاهد هذه النفايات البشرية تجمع هنا لتكون قرباناً لمن يريدون أن يسيروا بعجلات سياراتهم من دون ضجيج أو خضات توتر بطونهم المليئة بغازات الأكلات البروتينية.. قلت: لماذا لا أعود أدراجي إلى بيتي وأكتفي باتصال هاتفي أخبر أبا سيف بتغيير موعد اللقاء، كوني لا أستطيع الذهاب إليه اليوم؟ ولما عدت إلى منزلك، هاتفت صديقك، ولم تجده، أو بالأحرى أنه لم يرد..

قلت: لا بد أنه أمضى ليلته في أحضان إحدى فتياته، وأخذته نومة صباحية مفعمة برائحة جسد أنثوي رائع..

لبثت في مكانك، وصورة العمال الآسيويين تشاغب مخيلتك، فكرت ملياً، قلت: ما الذي يجعل الإنسان يمعن في طلب الاسترخاء، في الوقت نفسه الذي يقوم بإجبار آخر ليقوم بالمهمة نيابة عنه.. لأن الظاهرة أصبحت عامة، ولم تقتصر على قلة من البشر.. مجتمع بأكمله يتثاءب نهاراً، ويسهر ليلاً، في أوعية الملذات والشقاء الجسدي المجنون..

تخيلت صديقك، المدون ضمن قائمة الذين انبهروا بالحضارة، لكنه اتخذ زاوية قصية من الناس، وتنحى عن مزاولة المجالس، دافئاً بعزلته ليمحو كل ما تأخر وما تقدم من ذنوب الحراك الإنساني المشين.. قال لك ذات مرة: أنا نفضت يدي من الناس، ولم أعد أثق بالأصدقاء، واخترت لنفسي منهجاً جديداً.. ولما سألته عن منهجه.. قال: أمارس لذتي في العزلة، وبين أفخاذ العاريات الكاسيات.. ثم أكد لك.. قائلاً: المرأة السخية هي الحسنة الوحيدة، في هذا العالم، وكل ما عدا ذلك، فهو هراء.. لا تصدق ما يقولون.. وسخر من بحوثك، وقال: إن كل ما تفعله مجرد، لعب في الوقت الضائع، العالم ذاهب إلى زوال، طالما انحشر الجميع في فوضى، إما السياسات الخربة، أو الخرافات المتعجرفة.. تذمرت من لهجته الفظة، مقته، وأوغرت صدرك بسخرية لاذعة تجاهه، لكنك لم تستطع بغضه، لأنه صديق العمر، وتعرف عن نقاء طويته، وأنه ما فعل ذلك، إلا لأنه عجز عن إيجاد الحلول، للاندماج في محيط الناس..

تقول: طامة كبرى أن ييأس الإنسان.. ولا تشك أن صاحبك يعاني من أيام عصيبة على الرغم من تظاهره باللامبالاة.. قلت: عدم مسايرة الناس لا يعني الولوج في معمعة السلوكيات المستهترة.. ما يفعله أبو سيف ضرب من ضروب الانتحار.. والانتحار هزيمة، والهزيمة دلالة على الهشاشة والضعف..

الإحساس بالهزيمة هو خرافة أيضاً.. أبو سيف، يحاول أن يداوي الداء بالداء، والأمرّ من ذلك أنه يمارس الجنس ليس كفضيلة فلسفية المراد منها تطهير الروح من الاحتقان، وإنما يمارس هذه العادة كتعويض عن نقص..

الجنس الذي يمارسه ليس عفوياً، ولا فطرياً، إنما هو توغل مقيت في الهروب واستئناف الاضطهاد الذي ينتقده بطرق ملتوية.. حينما تحول المرأة إلى آلة تفريغ للشهوة، فهذا في حد ذاته إمعان في الاستغلال.. ماسة لم تحبه لذاته، بقدر ما تقوم بمسعى غير بريء لكسب المادة..



يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #15  
قديم 12-25-2012, 11:42 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

تذهب نحو الشاطئ، عند صخرة مسطحة، وقفت في البعيد تلمح المباني الكبيرة، قلت بلهجة محايدة.. ربما كان الخرافيون على حق، عندما انسحبوا إلى ذواتهم، وذهبوا بعيداً في معتقداتهم، لأنهم لم يروا شيئاً مجسداً غير أم الدويس التي تقصف الأرواح، وتبيد تاريخ البشر بضربات منجلها.. وتذهب أنت بعيداً، إذ تقول: ماذا سيطعم العمال الأجانب لولا أنهم ما جاءوا إلى هنا، ورضوا بالأمر الواقع.. إذا القضية تمر ضمن حلقة مستديرة، لا ينقطع وصالها إلا بتوقف حركة الكون.. تمرغت الفكرة في رأسك وأنت تحوم حول ما يدور في هذا الرأس، تشعر بأنك أيضاً تحوم في حلقة مفرغة.. تجتهد.. تجهد نفسك لكي تلقي حجراً في المياه الآسنة.. البحر الآن ساكن، لكن نفسك تقرر بمعطيات لا يبدو لك أن لها نهاية.. تبحث في قائمة الأسماء، في هاتفك، تريد أن تتصل بأصدقاء الماضي، قوة رهيبة تستيقظ داخلك، توقظك، تنبهك، بأن الزمن دار دورة سريعة، وأخفى أسماء، وأطل بأسماء، وأسماء أخرى لم تزل تتموضع عند حافة الذاكرة، لكنها لا تتذكرك.. كنت أنت الذي بادرت بالانفصال، وانشغلت في البحث وتحري الحقيقة، حقيقة من؟ لا تدري، حقيقة نفسك الضائعة في خزائن التاريخ الهارب من جلده، أم حقيقة أم الدويس، التي لم تزل مجرد أحفورة في الذاكرة، تقول: لا شك في أن الناس الآن نسوا شيئاً اسمه أم الدويس، والأضواء الكاشفة أذابت الكثير من الطلاسم، ولكن هل تذيب هذه الأضواء الصدأ أيضاً.. في النفوس صدأ، وفي النفوس شوائب تتطور أشكالها، لكن مضمونها يبقى متشبثاً في الباطن إلى أجل غير مسمى.. تقول: يا ترى من يسمي الأشياء بأسمائها؟ لا أحد.. لأن كل واحد يريد أن يهرب، كل واحد يريد أن يتغير. الجلابيب التي كانت رمادية بفعل القذارة، أصبحت الآن بيضاء ناصعة، المخاط الذي كان يسيل كالصديد من فتحات الأنف، اختفى الآن.. أشياء كثيرة رديئة تلاشت.. أشياء كثيرة قميئة اضمحلت، لكن هل تلون الكون بالجمال الكلي..؟

تقول: ما الجمال الكلي.. أهو أن يضع الناس جمهوريتهم المثالية على أعقاب ماضٍ ملوث.. تهز رأسك.. تقول ممتعضاً لا.. الأشياء هنا لم تتغير هكذا. أنا مثلاً.. أعد نفسي مثقفاً.. أليس كذلك؟ تقول: نعم.. لكن هذه الثقافة، التي اكتسبتها بفعل القراءة والبحث، لم تزل بعد، مسجونة بين أنقاض الشك.. ثم ترفع حاجبيك.. تقول: آه.. الشك هذا العملاق العظيم الذي لم أستطع أن أهزمه.. كما لم يهزم غيري أم الدويس.. ولكن.. تقول، في حيرة: لو هيئ لي وهزمت الشك.. ماذا سأكون بعد ذلك؟ هل معنى هذا أنني سأكون أمسكت بزمام الحقيقة.. وما هي الحقيقة.. إنها الوهم، الذي نلهث خلفه ولا نجده.. إذن هو الشك.. إذن هو أم الدويس.. تدخن.. تشعل سيجارتك، وتنفث الدخام بكثافة، تزفر نفساً ساخناً، وتنظر إلى البحر.. البحر الذي يطوق اليابسة، البحر الذي يمارس وعياً جنسياً فظيعاً عندما تزمجر موجاته حافرة جوف الأرض برعونة الشباب اليافع، لكنه الآن يستريح، ويبدو أنه يمارس الاستدراج، من أجل صولات جديدة، تدفن العقب في الرمل المبلل، تدفن الفكرة، تنهض، تقول: يجب أن أعود إلى البيت، بدأت الشمس، تخنع للذبول، وصار الشفق الأحمر، كخد أنثى خجلى، وانعكاسه يراوغ الماء، ويسجي لوناً تاريخياً مهيباً، على الفضاء.. الفضاء يطارد طيوره، العائدة إلى أعشاشها، تقول: الأشياء عندما يقفل الوقت ساعته، تعود عودة مباركة بالانتصارات وأخرى مخيبة بالهزائم.. لا بد أن يكون طوال هذا النهار، أن دارت معارك بين الطير والطير، وبين الطير وطرائده.. والكل يهم بالظفر على الكل.. وفي النهاية، تبقى الأزمنة تتوالى، والقاسم المشترك أحلام لا تتحقق..







من جديد تحرى أبو سيف نظرات الفتاة المتمددة بجواره.. كانت شبه عارية إلا من حمالة الصدر وسروال قصير شفاف.. قال في نفسه: أحب أن أكون وحيداً مع أنثى تستسلم بكل ضراعة، وتسلم جسدها لي من دون تمنع.. والشمس تشرق في الخارج، وتتلصص من خلال زجاج النافذة، ثم تمد لساناً خافتاً من النور تسقط على جسد عذاب.. عذاب أشبه بالنائمة وهي تسبل جفنين ذابلين، مخدرين، تحت توهج لمسات الأصابع التي تمر على التفاصيل وكأنها تعيد خارطة الجسد من جديد..

قال في سره: أبداً لن أكون السبب في خسارتك..

تقولين إنك خسرت جل مدخراتك، في غرفة الفندق، عندما هرعت للرد على المكالمة، في الطابق الأرضي، وتركت باب الغرفة مشرعاً..

قال: وماذا سنفعل إزاء هذه الكارثة؟

مرر أبو سيف أنامله على جيدها.. قائلاً: لا تجزعي، كل شيء معوض..

قالت: كيف؟.. إن ما فقدته يوازي مبلغاً كبيراً..

قال: كم..؟

قالت: لا أدري بالضبط.. لكنه.. يساوي شقاء العمر.

قال في لهجة بارعة: عمرك الأبقى..

قالت: وما فائدة العمر من دون مال..

قال.. لا تقنطي.. سأعوضك كل ما فقدته..

انبجس قلبها.. ورفعت رأسها، مسندة جزءها العلوي على زند أبي سيف..

أصحيح ما تقول؟

قال وهو يهز رأسه: أنا لا أخذل أحداً..

قالت بابتسامة غانجة: كل أحد..

قال: لا.. فقط المخلصين..

قالت: وهل ستجدني مخلصة..

قال: بلى، ولكنك قلقة إلى حد ما..

قالت: ولم لا أقلق.. أتعرف أن هذا الذي فقدته، هو اللقمة التي ستعتاش منها أسرة بكاملها..

حدق في وجهها.. تغرس في الجسد الحار، فكر في من يفكرون في أسرهم، فقال في سره: ما هذه الخدعة البصرية التي يسمونها أسرة.. إنها أكذوبة.. خرافة.. الحرية أجمل من كل الأساطير الأسرية.. ثم أردف.. أأنت متزوجة؟

قالت: كنت.

والآن.. ليس لي غير هذا الجسد، يحملني كالقارب إلى بلاد العالم، لأجلب من خلاله ما يجعل أسرتي تعيش بلا معاناة..

قال مازحاً: جسدك هذا ليس قارباً، بل أيقونة الزمان، والمكان.. ثم يستطرد.. أنت يا عذابي، تملكين ما لا يملكه ملوك وأباطرة..

قالت متسائلة: ماذا تقصد..؟

مشيراً إليها: هذا الجسد.. لديك ثروة هائلة تستحق التقدير..

قالت يائسة: ثروة بائرة..

قال مندهشاً: كيف..؟

قالت: عندما لا تعلي الثروة شأن صاحبها، فإنها أشبه بالنقمة..

قال: كيف..؟

قالت: جسدي هذا الذي تعتقد أنه كنز، تداوله زوج جاحد، خانني بعد مضي سنة من زواجنا، وبعد أن انتقم من جسدي، وجدتني في الشارع، أبحث عن الحقيقة الضائعة..

يرفع حاجبيه.. الحقيقة الضائعة؟!

قالت: أجل الحقيقة الضائعة.. ألا تعرفها..

قال.. في قنوط: لا..

قالت: الحقيقة الضائعة يا سيدي، هي المرأة في حد ذاتها..

قال في سذاجة: المرأة نصف المجتمع..

أجابت في فتور يبطن غيظاً: نصف المجتمع عندما يمور تحت سوط العهر، فإنه أمر مقرف، ومسيء إلى الإنسانية..

بهت أبو سيف.. كيف تصفين نفسك بالعاهرة..

قالت محتجة: أنا.. وأنت.. وهم، الجميع لا يصفونني إلا بالعاهرة..

أومأ بيده، قائلاً: لا.. لا، لا تفكري في الأمر بهذه النفسية المحبطة..

لست أنا المحبطة، بل جل نساء العالم محبطات..

لماذا..؟

قالت: لأنهن مضطهدات..

ومن اضطهدهن..؟

أنت وهو...

شعر أبو سيف بتأنيب ضميره.. انتابه شعور بالخزى، وهو مستلقٍ عارٍ بجوار امرأة محبطة، وأطرق قائلاً: ألا تمارسين الحب بطواعية وعن رغبة..

قالت وهي تأخذ نفساً عميقاً: لا توجد امرأة في الكون تقدم جسدها لأكثر من رجل، عن رغبة وحب.. إنما دوافع أخرى، ترغمها على فعل ذلك..

تصهد الرجل، ذابت كل خيالاته التي نصبها قبل سماعه هذه الكلمات السامة، ذبل جسده، وخابت مساعيه النفسية في استنهاض القوة السحرية، لجأ إلى السيجارة، دخن بنهم، وعفر فمه بالدخان، وملأ صدره بغبار ما يقذفه عقب السيجارة من ثاني أكسيد الكربون، وتمنى أن يعاقب نفسه أكثر، إذ أوقع نفسه في شرك امرأة يائسة، حانقة.. فكر أن يرفسها بقدمه لتقع عن السرير مضرجة بدمائها.. فعلاً انتابه شعور بأن هذه المرأة لم تأتِ للمؤانسة، وإنما جاءت لتكيل له الضربات القاسية.. أحس بأنها العقاب الذي حل به جراء عدم اختياره للمرأة التي تنحاز لشهوته، أكثر مما تنفر منه، لتؤكد أحقيتها في الوجود..



يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #16  
قديم 12-25-2012, 11:43 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

لكنه أيضاً، وجد من الضروري أن يلملم شتاتها، وأن يحاول بقدر الإمكان طمأنتها بأنه لا يريد من جسدها شيئاً إذا لم تكن راغبة..

قال لها بحنكة المجرب، وبلهجة هادئة.. عليك أن تطمئني أنني لم أصطحبك إلى هنا من أجل الاستمتاع بجسدك.. إنما لأنني أعزل، فأحب مؤانسة أنثى تشاطرني لغة الحوار الدافئ..

نظرت إليه بشيء من الريبة.. قالت بلهجة مكسورة: أرجو المعذرة.. يبدو أنني تجاوزت الحدود.. حدود العلاقة بين رجل وامرأة، لم يسبق لهما معرفة بعضهما بعضاً.. مدت يدها تمسح على صدره الكث.. سامحني..

أخذ نفساً عميقاً وقد نهشت الحيرة صدره.. وتجاذبته الأفكار، فكيف يمكن له أن يخرج من هذا اللقاء من دون خسائر، وخير ما يريحه من الفتاة التي تقع بجواره، ممارسة، هادئة بلا منغصات فلسفية..

قال بصوت مشروخ: لا تقلقي. كل ما تودي أن تحصلي عليه فهو ملبى ثم ينظر إلى عينيها اللامعتين، بشعاع أنثوي، رهيب.. سأعوضك كل ما فقدته من دون مقابل.. وأشعر بأن من واجبي أن أكون رجلاً لا يقايض امرأة من أجل الحصول على اللذة..

لبثت عذاب بين ذراعيه، لبدت كأرنبة تتوخى الدفء.. قالت في صوت متحشرج، اعذرني لم أقصد مضايقتك..

قال متشجعاً: لا بل أنا في أتم السعادة..

قفزت عذاب، هاجمت شفتيه بشراسة، بينما هو أسلم جسده بهدوء، غرقت عذاب، في مجون رغبة طالعة من أعماق جسدها، أعطته كل شيء، ولج فيها بذكورة يافعة، تهادى فوق جسدها، وارتمت هي كأفعى تتلوى شظفاً.. غابت الكلمات وذابت الفلسفات، وحمي وطيس الجسدين في غيبوبة الآمال المؤجلة.. شعر أبو سيف بأنه يخرج تواً من أحشاء أنثى ويصرخ، متوهجاً، وأحست عذاب بأنها من جديد تعيد ترتيب مشاعرها، وتخصب العالم بشهقة أنثوية، مدوية، تتفجر الأرض من تحتها، كما تنهمر فوق أبي سيف شلالات من الرغبات والأمنيات مفرغاً حثالاته النائمة في باطنه في جوف اللحظة الراهنة، كل شيء تحرك فجأة بعد مخاض عسير، كل شيء تنامى كالزهر في أرض صحراوية، حاول أن يقتص من بقايا العمر المأزوم، ولأول مرة يشعر بأنه يمارس الحب مع أنثى تتوارى تحت جسده، كنجمة تذوب في ريعان سطوع القمر، يهتدي أبو سيف إلى جل التضاريس الغائبة في المجهول، يتحرى ما اختفى من ضوء ساعة ما انبلج فجر وعي المرأة الغارقة في خصومات قديمة مع الذكور.. الآن يشعر بأنه تحدى طيشه، وتجاوز حدود ما أغمض عنه العينين، الآن فقط، بدأ يفكر في كلام صديقه فيروز.. قال في سره: صحيح أنه كائن يثبط الهمم، لكنه في الحقيقة قد يرى ما لم أكن أراه.. هذه المرأة أيقظت حساً غريباً في نفسي، ولما تمادت في صلبي على لوح التأنيب، علمت أن الممارسة البديهية ليست إلا ضرب من ضروب البؤس البشري..

نفضت عذاب جسدها، كهرة مشبعة، واستدارت ناحية أبي سيف قائلة..

أتصدق أنني لم أشعر بمكانة جسدي إلا الآن.. معك..

اغتبط الرجل، تنحنح، قال مسروراً: شكراً لك يا عذاب..

فتح محفظته.. قال، خذي ما يرضيك يا سيدتي..

قالت حبورة: لن آخذ شيئاً.. لا أريد شيئاً..

قال: لم..؟

قالت: لقد أخذت منك ما يقنعني..

قال: بل لن أدعك تغادري من هنا إلا لما أعرف لماذا ترفضين أن تأخذي المقابل، وقد أبلغتني لتوك أنك قد خسرت مالك..

قالت: المال يعوض.. ولكن المشاعر المهدرة لا مقابل لها..

قال: إذاً سأعطيك هدية.. أتقبلينها؟

قالت: في مرة تالية..







عندما دخلت غرفته، كانت النار متأججة في صدره، وعيناه تلمعان بشرر لم تره من قبل، في هذه الحال، شعرت بالخوف، خشيت من أنه قد أصيب بمرض، أو مس.. وجه أبي سيف، ليس وجهه المعتاد، فقد غابت البشاشة، وذابت الابتسامة تحت ركام هائل من الغضون.. للوهلة الأولى انبجس قلبك وظننت أنك دخلت في مكان غلط، وأن هذا الشخص الذي يبدو أمامك ليس هو صديقك.. شحوب واصفرار، اكتسح وجهه، وشفتاه مطبقتان على صمت رهيب، عندما ألقيت عليه التحية، رد باقتضاب وكأنه شخص لا يعرفك..

قلت مندهشاً، وبلهجة ملهوجة: ماذا دهاك يا صديقي؟

رد بلهجة مختزلة: لا شيء..

قلت: لا بل إنك تعاني من شيء ما.. قل لي ماذا دهاك؟

أومأ متململاً: لا شيء.. لا شيء..

جلست قبالته.. تفحصته.. تفرست في وجهه.. ثم أردفت مبتئساً: هذا المكان مكروه.. قلت لك إن ما تفعله بنفسك شيء من الجنون..

يلتفت ناحيتك، وعيناه تغرورقان بالدمع.. ثم يطرق: الآن عرفت الحقيقة.

قلت دهشاً: حقيقة؟ حقيقة ماذا؟

قال مرتبكاً وشفتاه ترتجفان: إنني كنت غائباً عن الوعي..

قلت: وهل نزل عليك الآن الوحي..

قال بلهجة جادة: بل الوعي الحقيقي..

قلت في لهوجة: نورني يا صديقي.. قل لي.. كيف سقط عليك الوعي فجأة..

قال محتدماً.. ليس فجأة، وإنما هي الحقيقة عندما تكون ساطعة في عيني امرأة مكظومة، فهي الكفيلة بأن تضع الإنسان أمام نفسه ولا ثالث لهما غير الحقيقة المطلقة..

قلت متذمراً: أطلق سراحي، وصارحني.. ماذا جرى من بين يوم وليلة؟

اعتدل في جلسته.. قال في لهجة واثقة: لقد زارتني امرأة، وكنت أعتقد أنها كسائر النساء اللائي عرفتهن.. للوهلة الأولى حاولت أن أعتليها كما كنت أفعل في صولاتي السابقة، لكنها رفضت. في البداية بكت منتحبة، فاستغربت من سلوكها، وظننت أنها تريد أن تستدرجني لتكسب مزيداً من المال، لكنها بعد أن كفكفت دموعها، اعتدلت، شائحة بوجوم، قائلة أرجوك لا تجرحني، أريدك أن تفهمني، أريدك ألا تكون كسائر الرجال الذين يمتطون جسد المرأة كخيل جامح، ثم يروضونها بالدغدغة والهدهدة، واللجلجة، ثم يسرقون منها ما يريدون، ويلفظونها عارية مضرجة بدماء الرذيلة، بعد ذلك، يمدون لها مبلغاً من المال، لكي تدسه في حقيبتها، وتذهب، لتقع فريسة في أحضان آخر، ثم ثالث، وهكذا..

ويستطرد: قالت هذه الكلمات، وكأنها صفعتني على وجهي، فدارت الدنيا بي ومادت الأرض من تحتي، وسقطت السماء على رأسي.. حاولت أن أستقطب مشاعرها متشهياً إياها بعنف، ضغطت على جسدها، عصرتها، بيد أنها أشاحت في وجوم محتجة على الهمجية، قائلة: لا تفعل معي هكذا.. لا تحاول أن تستغلني كعاهرة.. ثم تشجت بعنف.. صدقني لست عاهرة.. لست عاهرة..

قلت لها: إذاً ماذا أنت تكونين إن لم تكوني عاهرة..

قالت امرأة، فقدت قدرتها على عصيان رجل لم ينظر إلا إلى جسدها..

بعدها جنحت على صدري، كتلة من جحيم، حاصرني حزن رهيب.. أيقنت أنني بهيمة، وأنني أستعمل عضوي لحرث أجواف النساء لمجرد التفريغ لا غير، وفهمت لماذا كنت أشعر بالانكسار، وتطويني موجة من الحزن فور التخلص من السموم التي تنثال من جسدي.. عرفت أن كل ما كنت أفهمه مجرد إفراز حيواني، لا علاقة له بالفطرة البشرية.. حاولت أن أهدئ من روعها، اقتربت منها، قلت لها، لقد أعطيتني درساً لن أنساه، لذلك لا تخشي شيئاً، لن ألمسك، لن أمارس الحب معك، بل أريدك أن تبقي هكذا نظيفة، أريدك قديسة، وأنا كائن ضئيل أمامك.. فقط كل ما أريده أن تلبثي أمامي لأتأملك جيداً.. ومضى الوقت وبعد حين، شعرت بأنها تتغير، وتقترب مني، تداهمني في قبلات غير التي كنت أتلقاها من الأخريات..

قلت وأنت تبحلق في وجهه، مرتعداً.. وماذا بعد.. هل مارست معك الحب..

لوح بيده قائلاً: أرجوك لا تفهمني خطأ.. بالفعل مارست ولكن، بشكل مختلف.. ولما حاولت أن أكافئها بمبلغ من المال، رفضت.. قالت: أنا لست عاهرة، أنا أبحث عن رجل يحتويني بكرامة، ويضمني إلى صدره من دون نفاق اجتماعي.. وذهبت وودعتني، وأنا أمتلئ امتناناً لها.. ولكن في تلك الليلة لم أنم.. فكرت فيها جيداً.. فكرت في تاريخي المنمق بالهنات الأخلاقية، فكرت فيما جنته عقيدتي البائسة..

قلت له: والآن ماذا تريد أن تفعل..

قال وهو يتأفف: لا أدري.. أشعر بانقباض صدري، وحرقة تكوي جسدي، وفراغ وسيع يلتهمني، ويخفيني عن الوجود.. أشعر بأنني الآن، كائن يذوب شيئاً فشيئاً، أشعر بأنني أغوص في حفرة عميقة بلا قرار..

حاولت أن تهدئ روعه، حاولت أن تتجنب تأنيبه، حاولت ألا تدعه يغرق في التشاؤم، دنوت منه، ربت على كتفه، قلت له بلهجة وادعة.. لا تجزع يا صديقي، الآن أنت في الطريق الصواب، ولكن لا تدع نفسك فريسة الشعور بالذنب، إن ما فعلته في السابق يجب أن يكون شيئاً من الماضي..

يقاطعك.. الماضي ليس مادة معدومة.. الماضي كائن حي، يعيش في داخلنا..

قلت: لكنه كائن يستطيع أن يشذب من أوراقه الصفراء، لتتحد أوراقاً حية خضراء، فينتعش حاضره بالازدهار..

قال: الذاكرة.. الذاكرة ليست وعاء مثقوباً، بل هي قربة تنضح بالملح، الملح قد يتسرب إلى التربة، ويميت الزرع والضرع..

قلت في لهجة جادة.. لا.. لا يا سيدي، يجب عليك أن تنهض من هذا الوهم، وأن تستأنف حياتك من جديد، ربما كان مجيء هذه المرأة إلى مخدعك لأجل أن تصفع الماضي وتسحق جذوره، لتبدأ أنت من جديد.. ابدأ من جديد، ويكفي أنك استيقظت قبل فوات الأوان..

يأخذ سيجارة، ويعطيك أخرى..

يمج الدخان بكثافة، ويتنهد، يحملق في السقف.. قال: يا له من سقف عنيد، كم تحمل من التأوهات، والشهقات لكنه صامد..

قلت: إذاً يجب أن تصمد أنت كذلك، لأنك نمت تحته لسنوات، ويجب أن تتماهى بهذا السقف الذي ضم شهقاتك..

يبتسم.. ينفض رماد السيجارة، ثم يشعل جمرتها برشفة عميقة، وينفث الدخان.. قائلاً.. عذاب.. اسمها عذاب، لكنها فعلاً عذبتني، بسلوكها الذي لم أشهد له مثيلاً في حياتي.. لا أدري كيف خرجت هذه الأنثى من بين براثن الفنادق، التي لا تدلق غير العارهات..

قلت له: لا عجب.. لا تندهش، ألا تخرج الجمرات من تحت ركام الرماد التالف؟ فليس من الطبيعي أن تكون جميع النساء اللاتي يهجعن في مخادع الجنس كلهن فاجرات.. ثم تضيف.. هذه عقيدة اجتماعية بائسة، بل كذبة، نحن الرجال اخترعناها، وصدقناها، وعلينا أن نحاول التخلص من الكذب.. الكذب جزء من الخرافة التي نحيك خيوطها، ونرسم لها أشكالاً هندسية مذهلة، ونظن أنها الحقيقة..

قال: إذاً أنت لم تصدق ما قاله الشيخ ضاوي..

قلت: ليست المسألة أن أصدق أو لا أصدق.. بل يجب البحث عن الحقيقة فالقضية الأساسية لا تتعلق بأم الدويس ككائن قد يكون مخترعاً، بل إن الجوهر في الموضوع.. الأبعاد الاجتماعية واللاشعور الجمعي الذي يصنع مثل هذه القصص.. وتستطرد: يجب أن نسأل أنفسنا، كيف جاءت قصة أم الدويس، وكيف تجسدت ككائن طبيعي يعيشه الناس، ويصيغون حوله الحكايات والروايات..

قال: هل رأيت وجه الشيخ ضاوي كيف كان يتلون وتجحظ عيناه؟

قلت: أجل وهذا أمر طبيعي.. فالشيخ ضاوي ضحية من ضحايا التاريخ المزور، هو يعتقد أنه يعلم ما لا يعلمه غيره، بينما هو مجرد محفظة لقصص تراكمت محتوياتها عبر عصور من الخوف..

قال: الخوف.. الخوف من ماذا..؟

قلت: هذا الذي يجب أن نبحث عنه.. الخوف.. الخوف هو الكائن المجهول الذي صنع كل هذه القصص، ودبلج المشاعر البشرية، لتصير مجرد أكوام من الخيال، يعيش على ضخامته شريحة من البشر..

قال: ألست مقتنعاً بالخوف؟

قلت: ولم لا؟.. لكنني يجب أن أبحث في كنهه..

إذاً أنت تخاف؟

قلت: أجل..

قال: ولماذا ترفض الخوف ولا تعترف به؟

كوني أبحث في جذوره، فهذا لا يعني أنني أرفضه.. أنا أريد أن أعرف..

تعرف؟ تعرف ماذا؟

قلت: أعرف لماذا الناس يخافون؟

أهذي فلسفة؟

قلت: سمها ما تشاء.. المهم، كل ما أريده هو أن أدافع عن نفسي..

قال: ضد من؟

قلت: ضد نفسي..

ضد نفسك؟

قلت: أجل..

قال: إذاً هذه فلسفة..

قلت: قلت لك سمها ما تشاء..



يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #17  
قديم 12-25-2012, 11:44 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

وحيداً تتخبط في هذا العراء، يخيفك الليل بسواده المعتم، وتتلقفك الأرض وخطواتك، تلج الصمت، بطرقات، تقدح الصخر، تحلم حبات التراب بماء الجسد المتصبب، هلعاً.. لا تدري، أين تأخذك الريح، لا تدري أين تمضي بك الدقائق، وأنت تحاول أن ترتب أفكارك..

صدمة.. بل لطمة أن تشهد لمعان الدمع في عيني صاحبك، الماجن، وأن ترى يديه ترتجفان كزعنفتي سمكة مذعورة.. فأي امرأة ساحرة هذه زلزلت كيان الرجل، ليستحيل إلى بقعة زيتية مترعة بالمخاوف والإرهاصات الزمنية.. كان في الماضي يقول على الحياة وعاء مترف بالملذات، فاغرف منه كيف شئت قبل أن يمتص رحيقه غيرك.. اليوم، ينكفئ متكئاً على مشاعر مبعثرة، ويخض خضيضه شعور بالذنب لم تشهد له مثيلاً.. أبو سيف، تحلل من كل ثيابه القديمة والرثة، اغتسل من عفونة زمنية غابرة، وتجلى شخصاً آخر، وانبرى يتهدج بلغة مجروحة، متمخضاً عن مشاعر طفولية ورعة، منتشلاً نفسه من وعورة سلوكيات، ظننت أنه لن يخرج منها سالماً، طالما غاص في ضحالتها، واستمرأ اللذة حتى باتت شيمة من شيمه الأخلاقية، كان يسخر من عصاميتك، يقول إنك تضيع العمر في ترهات وبحوث لا تجدي، يقول عنك، إنك متقاعس كثيراً من جانب المرأة، ولم تعطها حقها.. كان يؤمن بأن اللذة هي ثمرة الحياة، ومن يبخسها حقها فإنه كائن مجافٍ لملة الكائنات الحية..

يا إلهي.. تقول: كيف استطاعت هذه الشيطانة اللئيمة أن تطير عقله، وتحتل مساحة واسعة من روعه وتستولي على مشاعره، ليصبح كائناً آخر مختلفاً متميزاً؟ ثم، تبتسم.. أبو سيف يتميز في انحرافاته ويذهب إلى أقصى حدود التطرف، ويتميز في مثاليته، ليأخذ جانباً حاداً من مهارات العفة..

تصمت قليلاً.. تقول: يا ترى هل سيصمد أبو سيف؟ هل سيمقت الماضي إلى الأبد، وينفض يديه من براثنه وحثالاته المزرية؟ تتأمل صورة وجه الرجل الذي جلس قبالتك قبل ساعات، تتبين دمعة الخنوع، وتستمع إلى شريط الكلمات المبهمة التي كانت تخرج من فيه، كالتلاوات الغامضة، حتى كدت تشك في أمره.. لكنك أيقنت أن أبا سيف، الذي يجلس أمامك هو نفسه الذي تركته قبل يومين، لكنه ليس هو نفسه في مشاعره التي تدفقت مندفعة كشلال، يمر على سفح جبل مغبر، فيغسله، ويرمي بطينه وغباره، عند مستنقع الأرض الخفيضة.. أبو سيف فعلاً تغير، وهو يسرد قصة الفتاة عذاب، ويسرف في الإطراء عليها، والثناء على أخلاقها، جعلك تتأكد تماماً أن صاحبك قطع النية، واستفاق بعد غيبوبة.. تصمت.. تفكر، تتأمل الظلام، تقول ولم لا.. أبعد هذا الظلام الدامس، تنشق السماء عن نور ساطع، أبعد هذا النسيم الوادع، يهب هواء النهار الساخن، يسكب جحيمه على الوجوه.. التغير حتمي في الوجود، وأن يتغير أبو سيف، فالأمر ليس مستحيلاً.. عند منتصف الطريق، وقبل أن تصل إلى منعطف يؤدي بك إلى الشارع العام، تقف.. ثم تجلس على ظهر صخرة جبلية.. تأخذ نفسك.. تدخن.. تمج الدخان في الهواء، فتتصاعد حلقاته في دوائر رشيقة، ثم رويداً رويداً تذوب في المجهول، تقول.. كأن تصرفات أبي سيف، استدارت إلى حلقات، ثم صعدت إلى الخلاء، ثم تلاشت إلى لا شيء، لتنبري أخلاقه الجديدة، ناصعة كبياض قندورته التترون، ثم تنظر إلى الخلاء، تنظر إلى الصمت الذي تجسد شيئاً واقعاً، في هذا المكان، تصفو القريحة، إذ لا ضجيج، لذلك، يستطيع الإنسان أن يلتقط حبات الفكرة، حبة حبة من دون تشتيت.. أبو سيف في هذه العزلة على الرغم من كل سلبياتها، إلا أنه عثر على نفسه التائهة بعد ضياع..

ثم تبهت.. تقول: لكنه قال إنه ضاجعها.. مارس معها الحب، برغبة عارمة، ثم غادرت راضية مرضية.. إذاً ما الفرق.. لماذا تظاهر وكأنه نبي، وصار يذرف الدمع مدراراً، ويخشن صوته، وترتجف أطرافه؟ تقول: قال لي إنه أيقن أن نظرته إلى المرأة كما إلى الحياة تغيرت، وأنه اعترف بأنه كان شخصاً آخر، واليوم يريد أن يسلك طريقاً مختلفاً.. ما الفرق؟

تكرر الكلمة، وتقول: أكان يريد أن يخدعني بتظاهره بالورع؟

تقول: لا.. لا شيء يضطره أن يفعل ذلك، فهو بنفسه الذي كان يجاهر برغباته الجنونية في كسب اللذة، وكان يعتبر كل من مج اللذة متبلداً، يائساً، ولا يحب الحياة.. إذاً ما الفرق؟ أريد أن أعرف، أريد أن أخرج من هذه التهمة الفظيعة، أريد أن أحرر عنقي من طوق الشكوك والخيالات القاتلة.. تصمت.. تشعل سيجارة أخرى، تقول: لقد أصبحت مدمناً على التدخين، صرت لا أفوت فرصة إلا أشعل سيجارة.. القلق، يدفعني دفعاً إلى التدخين، وقد اتفقت مع نفسي على أنني لن أدع هذه السيجارة تسيطر على إرادتي، لكنها اليوم باتت شيئاً مهماً، بالنسبة إليّ رائحتها تلاحقني، وتتكدس في أنفي، كرائحة أي مخدر.. تدفن العقب في الرمل، تنهض، تأخذ نفساً عميقاً فتمضي..

تقول: لقد أشعلت قلبي، يا أبا سيف، بخزعبلاتك هذه.. كنت تتهمني بالهزيمة، والتصرفات المبهمة، والآن، أنت صرت أشد فظاظة وفجاجة، صرت كائناً غريباً تدحرج فجأة، فوقع أمام قدمي فلم أستطع إزالته من أمامي، ولم أستطع الفرار منه.. أنا الآن أمام متغيراتك المدهشة.. أنا، تستعبدني عبثيتك، تعبث بداخلي، تحركني لا أستطيع أن أذعن لفكرة بعينها، لأنني مازلت في قلب الصدمة.. وأسأل نفسي: ما الفرق؟ لقد اعتليت جسدها، ولعقت رضابها، حتى ذاب فيها القلب والروح، ماذا بقي أن تتساوى به أيها المأفون.. ثم تضيف.. لكنك بالتأكيد لا تمزح، ولا تريد أن تخادع، أو تراوغ.. إذاً الأمر يستحق التفكير والتأمل.. تقول في آخر المطاف، لا بد أنك ستقتنع بأن صديقك قد انتعل مشاعر جديدة. وأنه حين قال قد علمته تلك المرأة ما لم يعلمه، فإنه كان يتحدث بجدية، بل كان متأثراً بكلامه من جراء إحساسه أنه أذنب في الماضي في حق المرأة..







فكرت.. تذكرت كلامه، فقد قال إنها رفضت تقاضي مال مقابل الممارسة، كان يقصد أن الفتاة جاءت لتكسب الحب وليس المال، كان يرمي إلى أنها ليست عاهرة، فكل امرأة تمارس الحب من أجل الحب، فهي طاهرة وخيرة، لأنها لا تتكسب، لا تبتز، ولا تستغل، وأفضل من ذلك كله أنها لا تتاجر بجسدها.. المرأة التي تحترم الجسد فإنها تحترم الطرف الذي يتعاطى معها الحب، ومن تفعل ذلك فإنها تمارس قدسية التسامي البشري.. ثم تقول: معنى ذلك فإن أبا سيف سوف يقتصر على فتاته الأخيرة، ولن يمارس عادته القديمة، ينام في النهار، ويخرج في الليل كالخفاش، باحثاً عن فرائسه، في ردهات الفنادق، وكواليس البارات، وكذلك الأزقة المعتمة في أنحاء البلد.. تقول إن أبا سيف سوف يمارس الحب، ولكن بقوانين حمورابي، أي لا عدوان ولا استغلال.. ثم تردف: الآن في إمكاني أن أكون حليفاً لصيقاً لهذا الصديق، المرتد عن تعاطي الفكر الفوضوي.. ثم تصمت، ثم تقول: لكنه ينقصه شيء واحد.. أنه لم يزل مقتنعاً بالكثير من مقتنيات المجتمع، لم يزل يؤمن بأن الكثير من القيم الاجتماعية، لا غنى عنها، ولذلك لا بد من التشرب بألوانها كونها تحفظ ماء الوجه لإنسان لا يستطيع ممارسة التمرد في أقصى صورة.. معنى ذلك أن أبا سيف سوف يدحض اعتقاداتك بأن الخرافات مصدرها الخوف.. أنت توصلت إلى أن الاعتقاد بوجود كائن قوي يسدد ضرباته متى ما شاء، ضد كل من يعترض طريقه فكرة الإحساس بالنقص.. ثم تقول النقص من ماذا؟ من الضعف.. والضعف كيف يستولي على الإنسان.. تقول الجهل.. لكن أبا سيف لا يفكر في كل ذلك، هو لم يزل متشبثاً بلذة، رغم اختصارها.. أبو سيف يريد أن يعيش في نفس المحيط بشروطه.. وأنت تريد أن تدور خارج فلك هذا المحيط بشروطك.. إذاً كلاكما يختلف عن الآخر، أنت خرجت عن ملة المجتمع لأنك تتهمه بالخرافة.. وهو خرج عن سياق المجتمع، لأنه يبحث عن لذة.. ثم تقول: كلانا يبحث عن لذته، ولكن لكل منا منهجه. وعندما تصل إلى البيت.. ترى جسدك المنهك، تقول في نفسك: لماذا لم أستقل مركبة..؟ ثم تستغرب كيف قطعت كل هذه المسافة الشاسعة مشياً على الأقدام ولم تشعر بالمسافة، وبالتعب إلا عندما وطأت قدماك فناء المنزل، ثم ألقيت بجسدك على المخدع الأمن.. تقول، الفكرة تدحض الألم، والانغماس في تفكير ما يجعل الإنسان لا يشعر بالمحيط الذي يطوقه، الأمر الذي يجعل الكثير من الأطباء، عندما يريدون إجراء عملية جراحية لمريض، فإنهم يستخدمون التنويم المغناطيسي. تبهت.. تقول يا إلهي.. أكنت منوماً مغناطيسياً، أثناء سيري في الطريق.. أحقاً كنت كذلك.. ثم تطرق ولم لا؟ فالفكرة عميقة، والإحساس بهذه الفكرة كان متقداً، ما أذهلني وجعلني أنسى التفكير في أي شيء إلا فيما دار بيني وبين أبي سيف..

وأنت تستلقي على السرير، وتزحف شيئاً فشيئاً تحت الملاءة، القطنية، قلت: إذاً كلانا يبحث عن لذته، وكلانا يظل سؤاله مطروحاً إلى الأبد.. تقول إلى الأبد، فهذه معجزة، أن تبقى تسأل من دون جواب.. ثم تستدير وأن تأخذ سيجارتك، وتقول: بعض الأسئلة تبقى هي الأجمل، والإجابة عنها تفقدها معناها، بل وتتفه مغزاها.. تدخن.. تستمتع بدوائر الدخان وبأفكارك التي صارت تنثال عليك كرذاذ المطر..

عندما اختلى أبو سيف بالفتاة الضالعة في الحزن. شعر بأنه من الواجب عليه أن يرفه عنها، وأن يحمل عن كاهلها بعض الحزن الذي أثقل قلبها، وجرح روحها، كان لا بد أن يجاهر بتعاطفه معها، وعلى الرغم من أن الرغبة الجامحة تفور تحت جلده وإن لم يزل، يحتفظ بجزء كبير من ماضيه المفعم بالغزوات والحروب النسائية الطاحنة، لكنه وجد نفسه أمام واقع جديد، أمام امرأة، تتقلب على جمرات عذابات سابقة، ولم يصدق أن ما تعانيه عذاب مجرد إحساس بالذنب من تصرفات ذكورية هوجاء عصفت بروحها بعد أن دمرت معالم الجسد الشاب.. نظر الرجل إلى وجه الفتاة، الجامد، وملامحها المشوبة بتجاويف التعب والبؤس.. قال: هلا أخبرتني بالحقيقة؟

قالت متوجسة: وماذا تريد أن تعرفه، فقد فصلت لك جل تاريخي الأسود..

قال: لا بل أريد أن أفهم ما هو الأهم؟

قالت وهي تلملم أطراف ثوبها الطويل الشفاف، وتلعق رضابها، وتضغط على مخارج ألفاظها أي أمر مهم تريد أن تعرفه..

قال: لست مقتنعاً بأنك تمقتين الرجال، كونهم فقط استغلوا جسدك لشهواتهم، وأتصور أن أمراً آخر هو الأهم، وهو الذي جعلك تشعرين بكل هذه الانكسارات التي ألمت بك..

تصمت الفتاة.. تنظر إلى الرجل الرابض بجانبها، بعينين دامعتين، وقلب مقبوض.. تقول: لماذا تريد أن تقلب المواجع.. لماذا تريد مني أن أستعيد تاريخاً قررت دفنه، والمضي بعيداً نحو غايات أرحب.. لماذا تبخل عليّ بلحظة سعادة، بعدما استأنست بوجودي بجانبك؟

قال: لم أقصد أذيتك، ما أردته هو الانسجام معك، بعد أن نتقاسم معاً الهم.. ثم يستطرد: صدقيني، أنا كنت إنساناً لاذعاً، ومؤذياً، وديماجوجياً، وصرت الآن إنساناً آخر.. أريد أن أكفر عن ذنوبي، وأتطهر من كل المآسي التي ارتكبتها.. ثم يضيف ملوحاً بيدين مرتعشتين، وشفتين مرتجفتين: صدقيني لم أقصد التسلية، أو التلهي بعذاباتك، بل كل ما أتوق إليه هو أنني أريد أن أبدأ بداية لا تشوبها شائبة، أي غموض..

تعتدل عذاب، تتبين ملامح وجهه الجامدة، تتفرسه جيداً، ثم تردف بلغة جادة، وعيناها متصوبتان في وجهه المكفهر.. تقول: يا عزيزي إن مأساتي أنني من أسرة مسلمة في أذربيجان، وكنت سعيدة بين أفراد أسرتي، المكونة من ثلاثة إخوة وشقيقتين، أنا أصغرهم سناً، كنت في المدرسة ذكية ونبيهة، وأحصد الدرجات العالية، ولكن بعد وفاة أمي، لم يمهلنا أبي الوقت الكافي، بل سرعان ما عثر على الزوجة والتحق بها، وجلبها إلى البيت الذي عاشت فيه أمي والسرير الذي ضمها وإياه.. والمطبخ الذي كانت تطهو له الطعام بيديها فيه.. الزوجة الجديدة.. تصمت، تتنهد، تأخذ نفساً عميقاً، ثم تخبئ وجهها بين يديها، وتنشج.. مد أبو سيف يده، رفع يديها عن وجهها، كفكف دموعها، قائلاً: أرجوك لا وقت للدموع، أريد أن تتجلدي قليلاً، وتحكي لي القصة بتفاصيلها، وجزئياتها.. مسحت الدموع، بأنامل رقيقة، ونخرت ترفع المخاط المنسال من تحت فتحتي الأنف، ثم أطرقت: زوجة أبي كانت قاسية، ولاذعة، وبذيئة، كانت دائماً تناديني وكذلك شقيقتيّ.. بالعاهرات.. كنت أشمئز من هذه الكلمة، لكنها لصقت في ذهني، كانت دائماً تشي إلى أبي عني وعن شقيقتيّ، وكان ينصاع لأخبارها السيئة عنا، فينهال علينا شتماً، وضرباً.. حتى إنه صار يكرر نفس عبارتها البذيئة، كان يقول لي أيتها العاهرة الصغيرة، وأحياناً يقول لي: أنت مشروع عاهرة.. أنا لست مطمئناً لمستقبلك.. كنت أحس بالبؤس وتنتابني نوبة حزن رهيبة، كنت أدخل غرفتي التي تشاركني فيها شقيقتاي، وأنكب على السرير، كانت أختي الكبرى تحاول أن تخفف عني، تهدهدني، لكنها لا تصمد كثيراً، بل كانت تنهار، وتظل تبكي معي، ونظل طوال الليل نتذكر أمنا، ونتخيل صورة زوجة أبي البشعة، ولا نملك غير إكالة اللعنات لها، ولكنها عند الصباح تجازينا، بالشتم، واللطم والتهديد لنا بأنها سوف تشردنا، وتجعلنا عاهرات رسميات.. ومرت الأيام، كان لزوجة أبي أخ، استضافته في البيت، ولم يكن معها سواي، حيث كانت أختي وأشقائي الثلاثة خارج المنزل في زيارة لأحد الأقارب في بلدة قريبة من قريتنا، بينما أنا تقاعست عن الذهاب معهم.. أحضرته زوجة أبي إلى البيت، وطلبت مني أن أبقى معه، بحجة أنها ذاهبة للتبضع في السوق، وشراء بعض الاحتياجات المنزلية، أذعنت لرغبتها، وما كان لي غير أن أنفذ ما تريد، لبثت معه في البيت بمفردنا، وكان في البداية، بدا لي أنه شخص لطيف، وصار يحكي لي عن أمنياته وطموحاته في المستقبل، وكنت أصغى له ببراءة، واطمئنان، كونه قريبي، وشقيق زوجة أبي، لكن بعد فترة وجيزة، وجدته ينحرف بالحديث نحو قضايا أخرى عاطفية، فتوجست، وحاولت أن أحترس من التعاطي معه، لكنني لم أبين له انزعاجي من حديثه، لكنه رويداً رويداً صار يقترب مني، حتى صار لصقاً، فشعرت بالخطورة.. حاولت أن أتملص بادعاء أنني أشعر بالصداع ولا بد أن أذهب إلى غرفتي، بيد أنه لم يتركني أذهب، بل تشبث بي، وصار يلهث ويزبد، فعرفت أن الخطر داهم، حاولت أن انتزع نفسي بقوة، بيد أن شبابه اليافع ساعده على إخضاعي، وإجباري على الجلوس من دون مقاومة، انصعت مرغمة، لبثت جامدة، لكني حذرة، صار يتوغل فـيّ، يتفرس إلى جسدي، ويطري على جمالي، ثم امتدت يده إلى جسدي، نهضت حاولت أن أفر، لكنه اجتذبني بعنف، وبطحني على الأرض واعتلى جسدي، وصار يمرغ يده على كامل جسدي، ثم انتزع ثيابي وأنا أحاول أن أتحرر من بين يديه، دون جدوى، كانت ذراعاه القويتان تجبرانني على الخضوع، حتى استطاع أن يتوغل فـيّ، وأن يفرغ سمومه في جوفي، ثم رفع جسده، وفر من البيت.. ولما جاءت زوجة أبي، ووجدتني، معذبة بدمائي، سابحة بدموعي، سألت عن أخيها، أومأت لها بأنه هرب.. انهالت علي بالضرب قائلة بلهجة قاسية.. انصرفي من هنا يا عاهرة، ثم مهددة، ومتوعدة إياي، لو أنني صرحت بذلك لأبي، وأخبرته عن الأمر، فسوف تقول له، إنها شاهدتني وأنا أمارس الجنس مع أحد الشبان الذي لا تعرفه، هضمت غيظي، ورحت إلى غرفتي ودخلت الحمام، وغسلت بدني، وغيرت ملابسي، وعدت إلى سريري، أحاول أن أستعيد الموقف الوحشي الذي عشته مع ذاك الكائن المتوحش، شعرت بحقد لا يوصف تجاه تلك المرأة التي تسمى زوجة أبي، وأيقنت أن ادعاءها بالذهاب إلى السوق ليس إلا خطة مدبرة، الهدف منها الإيقاع بي، وكانت تريد أن تكسرني وتجعلني ضحية عقدة، لا براء منها، كوني الوحيدة في البيت، التي كنت أحياناً أشاكسها، وأرد على بعض ألفاظها النابية بعدما يفيض بي الكيل، لذلك كانت تريد أن تنحرني بسكين الشرف، وأن تفقدني عذريتي لكي لا أفكر في الاستقامة إلى الأبد..

تلهج عذاب، ويصفر وجهها، ويغرق محياها بالدمع الغزير، تقول: تاريخ أكثر سواداً من الحروب والكوارث الطبيعية، تاريخ يكمن في الروح، ويقبض على شغاف القلب بكل شراسة..

وينظر إليها أبو سيف بشفقة، وتعاطف جم، يريد أن يفعل شيئاً ما يغير من مجرى حياة الفتاة.. يفكر في الزواج بها، لكن هذا الرهان الذي لن يكسبه أبداً، لن يستطيع أن يخترق حاجزاً نفسياً صنع منذ الأزل، ليجعل شرف المرأة وكيانها ومستقبلها مرتبطاً بذلك الغشاء الرقيق الذي لا يساوي قشرة بصلة..

يقول أبو سيف: إذاً في إمكانك أن تفعل كي تستعيد عذاب بقايا قلبها المحطم.. انكفأت.. لا شيء يمكن أن يرمم هذا الجدار المتهالك.. غير الغشاء المفقود.. هذا مستحيل.. رفعت بصرك، قلت: لكنك لا يجب أن تعيشي هذه المأساة إلى الأبد، الإنسان يستطيع أن يدفن الماضي بشيء من الثقة وتستمر الحياة..

عذاب.. تتأمله.. وإذا كانت الثقة في الأساس سحقت تحت عجلات الشك الرهيب، وما تبعثر من مشاعر إثر الانسحاق اليومي في مجمل العلاقات الإنسانية..

يرد أبو سيف.. أريدك أن تتفاءلي، أريدك أن ترتفعي عن هذه الجروح..

عذاب: أنت تقول ذلك لأنك لم تجرح، ولأنك رجل، ولا تربطني بك صلة القرابة.. تصور لو أنك أخي أو قريب مني، ماذا ستفعل، وكيف ستنظر إليّ وأنت تعرف أنني فقدت عذريتي إثر اغتصاب بغيض؟

أبو سيف.. سوف أقتل المجرم الذي ارتكب هذه الجريمة الشنيعة..

ردت بلهجة معاتبة.. أعرفت الآن، مدى فداحة الجرم؟ نحن لا نهون من هذه الأمور إلا عندما تكون عند جيراننا، لكنها عندما تلمس ثيابنا فإنها تصبح كارثة كونية لا يمكن السكوت عنها.. ثم وهي تلعق شفتيها.. أرجوك اعذرني لقد أشقيتك بهذه القصة المأساوية، لكنني كنت مرغمة أمام إصرارك على معرفة كل ما يجول في ذهني.. ثم تقترب من أبي سيف قائلة: هل أزعجتك؟ سامحني..

أبو سيف.. لا بل أشعر بأنني أصبحت أكثر قرباً منك..

عذاب.. وهي تمرر يدها على جبينه: صحيح..

أبو سيف: هذه هي الحقيقة.. ثم يردف قائلاً: يبدو أننا نتقاسم الجروح، على الرغم من أننا لم نتعرف إلى بعضنا إلا من فترة وجيزة..

تأملت وجهه بنظرات طفولية، وقالت وهي تقبل فمه: هل تسمح لي بسؤال صغير، بحجم هذا الفم الناعم..

قال: نعم يا غاليتي الصغيرة.. أسمعك..

قالت: في بلادكم الناس يعبدون الجنس، بل ويفضلونه على الأكل والشراب..

قال دهشاً: وفي بلادكم، كيف يرون الجنس؟

قالت بصوت رخيم: ربما أكثر من هنا..

قال متعجباً: ولماذا تستغربين من عبادة الناس للجنس هنا؟

قالت: لأنكم الأقرب إلى الأماكن المقدسة..

ضحك بسخرية قائلاً: وكلما تقتربين أكثر تجدينه أكثر سطوة على قلوب الناس، وهذا أمر طبيعي..

قالت باستغراب: كيف؟

قال: لأن الجنس جزء من عبادة الإنسان، سر الله في خلقه..

أزاحت خصلة من شعرها، انسحبت على جبينها، لتنظر إليه جيداً، ثم أطرقت: أهذه فلسفة.. أم تقليد اجتماعي؟

قال.. بل هي فلسفة كونية.. ثم استطرد، الشعوب تتطور، والحضارات تتبدل، وتندثر حضارة، وتمتد على أثرها حضارة أخرى، لكن الإيمان بقوة الجنس في تشكيل حياة الإنسان مبدأ لا يتغير..

يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #18  
قديم 12-25-2012, 11:46 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

قالت: ولكنك تغيرت لمجرد أنك فهمت قصتي تبدلت كثيراً..

يأخذ شهيقاً عميقاً، ثم يزفر، تغيرت نحوك، وليس نحو الجنس.. هذا شيء وذاك شيء آخر..

قالت في حيرة: لم أفهم..

قال: يجب أن تفهمي..

قالت: أوضح أكثر..

يعتدل في جلسته.. ثم يطرق..

كوني أعدل عن ممارسة الجنس بوحشية الكائنات الضارية شيء، وكوني أحب الممارسة، بطريقة حضارية شيء آخر.

قالت: هذا ما قصدته..

قال: ماذا؟

قالت: الناس.. بل الكثير من الأشخاص، الذين مارست معهم الحب، شعرت بأنهم يتعاملون مع جسد المرأة كما لو أنهم يقضمون شرائح من اللحم الحيواني، النيئ.

يضحك. ثم يستأنف: أمر طبيعي.. البشر أصناف، وأخلاقهم تتعدد، بتعدد ثقافتهم وتنشئتهم.. أليس كذلك؟

لم تنبس بكلمة، واكتفت بإيماءة إيجابية.. قالت: أشعر بأن ريقي ناشف وأحتاج إلى كأس شاي..

قال: الشاي على النار، انتظري قليلاً وسوف يكون جاهزاً..

ابتسمت، وأرخت رأسها على كتف أبي سيف المضطجع، ثم راحت تمسد شعر صدره، بأناملها الرقيقة، بينما سبل هو جفنيه، مسترخياً، متوائماً مع حركة أصابعها، التي بدأت تمشط الشعيرات النابتة كالعشب عند ربوتي الصدر وعلى ضفتي الحلمتين المنتفختين، كحبتي الحمص الصغيرتين، المحمصتين على نار الجلد المتوهج.. لبث هكذا حتى سمع أبو سيف صوت فوران الشاي، قفز قائلاً: لقد طفر الشاي.. كانت عذاب قد استتبت قليلاً، بعد أن نفضت من صدرها حثالة ماضٍ قديم، وشعرت بأنها أوصلت الرسالة بالشكل المأمول، ما جعلها تطمئن لمشاعر أبي سيف نحوها، وما أبداه من تعاطف تجاهها..

أخذت الفتاة كأسها، قربت أنفها الصغير من الدخان المتطاير، قالت منتشية: كم أحب رائحة الشاي أكثر من طعمه.. إنه يذكرني بشاي المساء الذي كانت تعده أمي للأسرة يومياً، حيث كنا نجتمع معاً حول سفرة مستديرة، وكانت أمي تدير الجلسة، بحوارات عائلية شاعرية. ثم تهز رأسها، في أسف.. ولكن، القدر لم يمهلها، وكأنه كان يريد أن يعاقبني في غيابها، لتحل محلها تلك اللبؤة الفاجرة..

يقول أبو سيف: هدئي من روعك. وعليك أن تنسي، لا داعي لاجترار الماضي، فإنه فعل شيطاني بغيض. عيشي أيامك الحلوة، عيشي الحاضر، فإنه الأجمل.. وليس أحد منا يخلو من الهموم، لكن لا بد أن نضع الماضي وراءنا، ونسير إلى الأمام حتى نستطيع أن نعيش..

تضع الكأس جانباً، وتقول: وأين هي الحياة الحلوة؟

قال: الحياة التي تعيشينها..

قالت.. لو تعلم كم قاسيت منذ أن وطأت قدماي أرض الله، لقد قاسيت الأمر نفسه، تلقفتني أجساد الرجال، وراحوا يهيلون عليّ حثالة عقدهم، حتى شعرت بأن هذا الكون يضيق بالأنذال والأوغاد..

أبو سيف: قلت لك يا غاليتي الصغيرة، يجب أن تفندي علاقاتك، وألا تضعي كل الرجال في كفة واحدة، الناس أجناس.. وأنفاس..

تهز رأسها: أجل، ولكنني لا أستطيع أن أتخلص بسرعة من أحزاني.. إنها ضخمة وثقيلة، وجسدي يرزح تحت أوزان لا تحتمل..

قال بصوت مبتهج: أريدك أن تضحكي قليلاً..

ضحكت..



يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #19  
قديم 12-25-2012, 11:47 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

--------------------------------------------------------------------------------

.. تابع

ثم قال.. أريدك أن تغمضي عينيك..

أغمضت عينيها..

فتح علبة صغيرة، ووضع في يدها عقداً ذهبياً، لمع في كفها الناصع، ثم قال: افتحي عينيك الآن..

فتحت عينيها، شهقت، قالت: ما هذا؟

قال: كما ترين..

قالت في حبور: أهذا لي؟

قال: أجل، وتستحقين ما هو أثمن..

لبثت تقلب العقد، وتتفحصه وتتأمله، بعينين دامعتين فرحاً، ثم قالت منشرحة: كم أنت نبيل، يا أبا سيف..

قال معتداً: لا يا غاليتي، أخلاقك النبيلة جعلتني أراك بعين مختلفة، وما هذه الهدية إلا جزء يسير من أفضالك..

قالت معاتبة، أفضالي، وماذا قدمت لك، حتى تذكرني بالفضيلة؟

قال: لقد علمتني كيف أرى الحياة.. كيف أرى النساء..

خفضت بصرها، متلمظة، وقد ملأ قلبها الفرح، فأطرقت: لولا أنك رجل ذو سجية نقية، وسريرة نظيفة لما استطاعت كل نساء العالم أن تثنيك عن عقيدك، ثم تستطرد: يبدو لي أنك الحظ السعيد، الذي وعدني به الله، فالتقيتك، وهذا ما حصل..

يأخذ أبو سيف رشفة الشاي، وهو ينظر إلى فتاته من خلال الدخان المتطاير، ومن خلال خصلة الشعر المنسحبة على جبينها اللجين، ثم يطرق: يا الله.. كم كنت غائباً عن الوعي. هل تصدقين عندما علم صديق لي بنبأ تخلصي من إغواءاتي السابقة، أصيب بالصدمة، ولم يصدق ظل ساهماً، شارداً يتأملني، ويتفرس وجهي، وكأنه يقرأ تفاصيل وجه رجل غريب، وبعد محاولات لإقناعه، والتي باءت بنجاح باهر، قال.. الآن أشعر بأنك إنسان طبيعي تنتمي إلى حظيرة البشر..

ضحكت مسرورة.. قالت.. يبدو أنك كنت موغراً صدره بمشاعر التشاؤم.

أبو سيف: بل كان يائساً من إصلاحي..

وكيف كان يتعامل معك..؟

أبو سيف: كان يقوم بدور الإصلاحي، وكنت أتبوأ دور الماجن الذي لا أمل في إصلاح شأنه..

عذاب: لكنه كان يرتاد مأواك..

لقد غاب عني لسنوات طويلة، وبعدها، وجدته فجأة. يتصل بي، فرحت برؤيته، كصديق، لكني ضقت به ذرعاً وهو يملي عليّ شروط الاستقامة..

وماذا فعل..؟

أبو سيف: حقيقة، صديقي هذا رجل، صبور، ومحنك، وفيلسوف.. ينظر إلى الحياة بمنظور مختلف، عما يراه الآخرون، وأنا واحد منهم..

تبحلق عذاب: ما هي فلسفته..؟

أبو سيف: طبعاً لن تعجبك رؤيته للحياة..

تبسمت عذاب: كيف..؟

هو كان على الضد تماماً.. لا يحب الاقتراب من النساء، وله رؤيته الخاصة في ذلك، حتى إنني كنت أسخر منه أحياناً وأقول له: أنت من الجنس الثالث. وكان يغضب مني، ويهزأ بنظرتي إليه، لكنه سرعان ما يهدأ، ويتحول إلى حوار آخر..

عذاب: ولم لا يكون كذلك..؟

أبو سيف.. يزم بوزه، ويطقطق، قائلاً: لا يمكن أنا أعرفه جيداً.. قلت لك إنه رجل فيلسوف، ويقوم الآن ببحث يدور حول الخرافات..

ولكن ألا تشعر بأن مقت النساء، جملة وتفصيلاً، مرض.

ربما يكون، لكن لا علاقة له بأي عنة جسدية، أو خلل في هرموناته الجنسية..

تقول بلهجة مازحة.. وهل فحصته؟

يضحك: كنت أود أن أفعل ذلك، لكنني خشيت أن يلطمني على وجهي، ثم يقفز فوقي، ليثبت أنه فحل ومارد..

تضحك عذاب، بجلجلة، وتقول منشرحة، ما أعذب حديثك..

يقترب منها أبو سيف.. يمهد مشاعرها، يهدهد جسدها، وتغوص أصابعه في الخصلات المتدلية كعناقيد، ناعمة، تغمض الفتاة عينيها، يلفحه نسيم فمها الدافئ، يذوب، يمرر أصابعه بين الجبلين المنتصبين، يضع رأس سبابته فوق حبة الكرز القرمزية، تتورم، يلمس ندا العرق، يلمس الخفقات، يتحسس الخلود المتربص به، ثم يدخل فمه كاملاً في لجة الفم الملتهب، يتوارى أبو سيف خلف الجلجلة الواعدة، يتلاشى، وتذوب عذاب، تتعذب شيئاً فشيئاً، وهي تحاول أن تنفض النيران المشتعلة في الأقاصي، تغيب المبادئ والقيم والأخلاق، تغيب الذاكرة المكتظة بالأوهام، وينشأ المتعانقان تحت وطأة الجحيم، يستديران، وينغمسان في الغيبوبة، يستبدان في دعك الجسدين، تستولي عليها أعاصير ورياح هائجة، ولا يحرس شهيقها المتهور، غير الجدران المكابدة عناء الزمن، والصمود الأبدي.



يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

  #20  
قديم 12-25-2012, 11:47 AM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

قال، وهو يشهق في وجهها، كم أشتهيك، وأنت تمتصين لعنات الجسد النبيلة، وتباركين قدسية العناق اللذيذ.

قالت: ليس من نبل غير الممارسة، عندما تكون أشبه بصلوات الابتهال، إنها الفريضة، التي تنتصب لها أطراف الجسد، وتنحني شهامة الوجود، إجلالاً وتكريماً..

ينهض أبو سيف، تعتدل عذاب، تتغرس في وجهه، المتشرب بحمرة الالتحام، يتفحص وجهها، يغرس ناظريه في العينين اللامعتين، لنجمتين تتألقان في الوجه الناضح بعرق اللهفة، تقول له.. يجب أن أغادر..

يرمقها بنظرة اشتهاء، يجب أن أراك في أقرب وقت..







قالت وهي ترتب خصلاتها.. أسندت جسدها إلى الباب: إلى القريب العاجل..

تجلس وحدك في هذا المكان النائي، المختبئ تحت خاصرة الجبل العملاق..

تجلس وحدك، ولا تدري كيف حملتك قدماك، في غضون الوعورة والأحراش، والطرقات المزدحمة بالوحشة، الثملة بصمت مريع، وتتأمل المكان، تتمثل لك الأشياء من حولك، كأنها قوافل جاءت من عصور وسطى مطحونة بصلابة الصحراء، وشح الأيدي التي لا تصل إلى جذورها، إلا بشق الأنفس، تنظر إلى سفح الجبل المنحدر بصخوره العارية، المجلودة بتراكم السنين العجاف. وجماجم الذين تدحرجت آمالهم بين الشقوق الصخرية، والمتعرجات الجبلية، وأحراش الأعشاب الشوكية، وكذلك تداهمك صور قديمة بقدم الأشخاص الذين مروا من هنا، وتسلقوا أحلامهم بأقدام حافية، وأحياناً على ظهور الحمير، المجيدة، وربما أنهم أيضاً استراحوا عند الوهاد الساخرة، واستحموا بالعرق، واغتسلوا بالتعب، والتأموا تحت القنادير الصفراء، الحالكة، مزملين بمعاصم الرأس، وأعقلة الجمال التي تاهت في ضياعها الصحراوي الرهيب..

وحدك تمارس غيك، وحدك تمارس وعيك، ووحدك تتحرى نجوم الظهر، المختبئة تحت ظلال الغيوم الشاحبة، وضوء الشمس المزخرف بحلي السماوات العريقة.. هنا عند حافة الجبل، تربض هذه العين الحارة، تحتضن أجساد نساء، تربصن بالدفء، وتلملم زعيق الصغار الذين جاؤوا من أقاصي البلاد سعياً وراء العفوية الملائمة.. الحفرة الواسعة، تجويف يقع في باطن الأرض، تنثر قطرات حليبه الساخن، حتى حافة الحفرة، ثم يستدير باتجاه البساتين المجاورة، المحملقة بدهشة، جراء إمعانها في سماع أصوات النساء المزغردات بابتهاج، بالزيارة الميمونة.. الجبل يقف حارساً أميناً منذ البدء، يحدق بالزائرين، ويمنحهم صلابة الأشياء الخالدة.. تنظر إلى الأعلى، تلمح الفندق المتألق بجدرانه الشاهقة، والأشكال الهندسية الرائعة، ترفع رأسك عالياً، تحدق في النوافير التي أسكتت صوت العصافير، وحمام البر والبلابل، واتخذت مقعداً مجاوراً وراحت تمخر الفضاء، بخرير لا يشبه جمال الطبيعة في شيء، لكنه يحاول التماهي.. تقف، تتمشى على الصلابة الصخرية فتيات صغيرات، يافعات، يتأبطن، أذرع بعضهن، ويهبطن قادمات من العلو الشاهق، ومع الهبوط المترف، تتخبط الكواكب المنصوبة في فضاء الأجساد الباذخة، وتسمع الهمسات تخترق أسماع المحيط الذي يطويك، وتنصت شجية وشهية، تحرك أشجانك، وأنت تحاول أن تتلاشى بعيداً عن أعينهن، ربما لأنك تريد ألا تسوف ذهنك برغبات مشوشة، وربما لأنك كعادتك تفر من الأصوات التي تلامس الشغاف.. ابتعدت ونأين هن عنك، صرن في الجانب الآخر، لا ترى إلا كتلة من السواد يلمع بعض البصيص من خلال شقوق في الأثواب الملفوفة بعناية الحائكين البارعين.. تقف على الجانب البعيد، إلى ظل شجرة، وعلى الرغم من أن شهر سبتمبر لا يسلط لهيباً كشهر أغسطس، إلا أنك شعرت بالإنهاك لأنك قطعت مسافة طائلة مشياً على قدميك.. تحت الشجرة، تمر عليك حشرات واثبة، تقلب مواجعها بحثاً عن فرائس أو طعام، تنظر إلى مسافة قريبة، ترى خنفساء الروث، تدحرج ذخيرة، وافرة، مبتهجة إلى ملاذ قريب.. والعصافير تزغرد، وترفرف بأجنحة كأوراق التوت الشفيفة، وشجرة الغاف تمد الأذرع والسيقان، متذرعة بالصبر، والجلد، الأشياء تمر من حولها، وهي كما هي تخلد مع الأيام كهذا الجبل..

تقول: كانت هناك عين أخرى، كان الرجال يؤمونها في فصل الشتاء، عندما تلتئم العائلات، ويتزايد عندها النساء والرجال، كانت أصغر حجماً، لكنها كانت تكفي لأن تمنح زوارها المتعة، والاستجمام بالماء الدافئ، تقترب من الحفرة، تمعن النظر، لقد أصبحت مجرد حفرة جافة، لا تسمع فيها غير الصرير، وبقايا ماء صار مستنقعاً، تتقافز في حثالته الضفادع، وفي الشقوق تستقر أنسجة العناكب.. تأخذ نفساً عميقاً، تتذكر أنك جئت مع أفراد العائلة، وقد حرمت أمك المجيء إلى هنا في أعقاب غرق أحد الأطفال، وإصابة أمه بالجنون، إثر الفاجعة الأليمة..

قلت: لم أكن شقياً، لكن، قلب أمي كان مرهفاً إلى حد تخويفي من أي شيء، كانت تطاردني، وتمنعني من الذهاب بمفردي حتى إلى أقرب بقالة..



يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 07:09 AM






Powered by vBulletin® Version 3.6.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.