التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

العودة   منتديات المغرب > المنتديات الثقافية و الأدبية > منتدى الرواية و القصة القصيرة





 

البريد الإلكتروني:

 
رد
 
Bookmark and Share أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #61  
قديم 12-25-2012, 12:25 PM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

فتفتح أنت عينيك، تقول إنك لأول مرة تشعر بأنك تفتح عينيك وترى قرص الشمس، الشمس التي تستدير حول رأسك، وتدور أنت من حولها، كأحد الكواكب.. تدور، وتثور وتفور الأرض تحت قدميك، تحرق أشياء بدت لك أنها تالفة، وتتلف أنت كل الأطواق، والأشواق القديمة، وتصعد جبل الظن، بنجابة، تصعد، ترى فيروز، الذي مات، محتضناً امرأة شائهة، مدماة، وسيفها العملاق مجرد سعفة، تتوقف حول جسدها الهامد.. فتضحك أنت بجلجلة، تضحك، ومعك يضحك نبهان، مطارداً الفلول المتقهقرة..

بعد فترة من زمن تقول إنك صحوت من حلم غبي، ومن شك اعشوشب في صدرك، نما كأنه السحر المعتق.. تحاول أن تختزل أزمنة وتستعيد أخرى، مستعيناً بقدرات ذهنية، احتشدت، في لحظات الإصرار.. المرأة التي لقمتك الشفتين بضراوة، وشهقت في وجهك محتدمة، متداعية، كأنها النخلة المتهاوية بعد عصف، تجلجل في أعماقها.. المرأة، التي حاصرتك بالجسد، والشهقات المزلزلة، تشقك إلى نصفين.. فأنت فيروز المقبور، وأنت نبهان الطالع، كسنبلة متمردة، تعانق جوف السماء.. تقول بإصرار: لا.. أنا نبهان، وجزء يسير من أبي سيف، الآن تبدو اللحظة المتوهجة، تخطف منك كل الحثالات والنذالات القديمة، تصقل على كف العصيان، فتلمع في عينيك، حلمت بامرأة، يافعة، متطورة من نسل، النطف الحارقة، تغوص في الزاوية الحادة، تتمضمض بالماء السحري، وتنتشي بحموضة الحياة، تغرق متفشياً كأنك الوابل المنهمر من علٍ، منتمياً إلى ذاتك المتدحرجة من صخور الصلابة، المسفرة من وعي التربة الخصيبة، وتقول لقد تعافيت من معمعة، خضت ورجت، وهزت وزلزلت، وعفرت التراب حتى صار الغبار غيمة داكنة، تحررت من صناعة مزيفة، واعتليت جبل الظن، صار تحت قدميّ، أدوس على صخوره بجرأة البواسل، وأصب جام غضبي على رعونته المتلاشية، وتصرخ محتفياً، بالقوة العارمة التي سكنتك، رافلاً بسندس الحياة.. تصحو.. فعلاً أنت الآن في اليقظة القصوى، في الانتباهة، التي تحصد التفاصيل، وتحصي الجزئيات بكل لباقة ولياقة، وتتفوق على جبل الظن، بامتياز شخص انبرى كأنه المارد.. تأتيك.. هذه المرأة المخيفة، تأتيك ضارعة متوسلة، تريد الغفران، وصكوك الاعتراف بأنها الأنثى، العاشقة.. تعشق فيها هذا الاندفاع اللذيذ، تتلذذ، بدوران الشهوة في عينيها، تلملم شتاتها بين ذراعيك، تطوقها بنخوة الرجال النبلاء، تعصرها، لا تطلب التوبة، بقدر ما تنشد استعادة دوران الساعة، وحركة الكواكب، لتستمر الحياة، بلا خوف، لا تبرره إلى إخفاق الذين استمرأوا الغوص، في المياه الضحلة لاصطياد أسماك، التفوق على الآخرين..

ها أنت الآن، تخرج، وعلى جناح الفرح، تقصي جل ملابسك القديمة، ودماءك وأفكارك ومشاعرك، وجلدك، تخرج مستفيقاً، تبحث عن ملاذ يؤوي أناك اليافعة، تضم نبهان، المشذب، المهذب، لتستدير من جديد حولك، حولك أنت، وتحصد كفاح زمن.. ثانية تعود إلى الأرض البكر، تعود متأزراً نبهان، يحميك، ويخفيك، ويعافيك من كل ضرر.. تقف منتشياً، في هذا البيت نشأت الأفكار المفزعة، وخلف جدران، تجلت العواهن والعوارض، القاتلة، تضحك وتقول: أنا نبهان.. وشتان ما بين الأمس، واليوم.. وتعيد الكرة قائلاً: أنا نبهان، وجزء يسير من أبي سيف وليس كله.. تدخل الفناء الصغير، ثم منه إلى الغرفة، لم يزل مفتاح الدخول يحتفظ بمكانه في جيب قندورتك، بعد فقدانه البريق، كونك لم تدخله ولم تخرجه من وإلى مكمنه الأمين.. بعض الرائحة، تسد أنفك كونك تدخل غرفة، تنفست جدرانها الغبار، واستلقى السرير على فراغه الموحش.. لكنك لا تتردد، تستلقي مستريحاً، ألفة الفراش تحتويك بعتاب، وصمت الجدران يتهمك على أنك غادرت من غير موعد أو استئذان، إذاً لا بد وأن يكون العتاب لذيذاً، وأن يكون الاستقبال ساخناً محملاً بجمرات الدموع الحبيسة.. لكنك تقول، منذ الساعة لن يكون الحبس اضطرارياً، لن أكون الفريسة التي تنهشها أنياب الظن.. ها هو جبل الظن، يذوب كالجليد، يتهاوى، يفترش خذلانه ويزول شيئاً فشيئاً.. وأشياء أخرى تزول معه، كوني أنا نبهان.. نبهان الذي فتك بفيروز، وانتصر، نبهان الذي لطم البحر، فانشق ماؤه إلى ماءين، وما بينهما الدرب الذي طرقته، ثم طفقت، ألهج بعافية.. تشعل صلباً، وتدخن بشراهة، تقول إنك اكتفيت بالصمود منذ زمن، ولم تدخن، الآن آن لك أن تمص هذا العقب، أن تدع شفتيك تلعقانه حتى الذوبان، فيذوب، وتذوب أنت، تغيب في الدخان، تتلاشى شيئاً آخر، ثم تمسك بشغاف فرحك، وبالفرح ذاته تقدم على الحياة، وتبحث عن أنثاك، عن المرأة التي تختبئ في معطف القلب، تخرج ثانية وثالثة، وتعتليها بشهامة الفرسان، فتخب هي، وتهش أنت، واللجام معصم يطوق الشهيق، والسنابك أربعة من فروع الشجرة، تتداخل، تطلع وتتلاشى، حتى تنفجر الكرات الإلهية في مخمل الجسد، فتسيح وتسيح في الهيولي الفظيع، وتخرق أذنيك آهة، تأتي من سحيق اللغة المتفجرة من أتون الأزمنة الغابرة، من سجادة ملساء، حصدت كل ما في جوفك، واستراحت مستلقية، مؤمنة بانتصارها، كما أنك على يقين من أنك غفوت غفوة باركتك فيها الآلهة، وسجدت لك الملائكة، وصدقتك الرسل، لأنك عرشت، وأشعلت نيرانك في المضارب المتوهجة.. ثم ترفع رأسك مبتهلاً، متهللاً، مجللاً، بالفرح، وتقول.. في المساء خرجت، تتأبط، نشاط الدورة الدموية، وتتأزر التفاؤل بكل فداحة وفصاحة، وحصافة، تقول إن الشارع الضيق، الذي يتصلل عن الجيران يمضي متخايلاً باتجاه الفندق القريب، عند الصهوة العريقة، وصحوة الفرسان الأماجد، وماجدات العصر الحديث، تقترب، برأس تطال عنان السماء، وأفق يتشمم رائحة الأجساد اللدنة، تتحسس لون العرق، ولزوجته، الرائقة.. تقف في البهوة ثم تعرج باتجاه الملهى، هناك تصهل الخيول، وتترجرج الأرداف تحت أغشية الملابس الرهيفة، يخال إليك أنك ترى كل شيء، أنك ترتقي كل الأشياء التي تصادفك، وتفرز عصارة فؤادك، المحتدم، بلا هوادة، تطارد الفرائس بنعومة النظرات، تلاحق البياض الناصع، وكأنك تستطلع نجوم الغيب، تحملق بفجاجة، وأنت تقتعد كرسياً، عند منضدة رائعة، صفت على ظهرها، أواني الأكل والشرب..

ترتاح، تشعر بأنك ترتاح، وأنت تغزل خيوط الحرير حول الخصور المعصورة، بأربطة الجأش، تشعر بأنك تمارس هواية جديدة، وتدخل في جولة جديدة، وترسم لوحة جديدة، على صفحتها صورة امرأة، تنام على صدر العشب المنتعش بالحرية.. تأتيك إحداهن، تغنج، وتلهج بلغة، تفقد الجدران، والسماء والأرض، والنجوم والكواكب، صوابها، تنبهك إلى أن الجسد المرخي على نظراتك الشاخصة، مقبل لا مدبر، فانتبه، فلا تدع الفراشات تفر من أحراشك.. ترفع بصرك، تتهجى حروف العينين، والنهدين، الطالعين، كجبلين ينتصبان على تربة خصيبة، في البداية تجتهد أنت، ثم تعتدل في جلستك، وينخفض اللقاء عن اقتباس أنفاس، ثم انطلاق الوحش من وكره، مستديراً حول الجهات الأربع، يبحث عن فم يلقمه، لغة التلاقي والتساقي والتسامي، وبعد فينة لم تستغرق جهداً، شيعتك بابتسامة رضا، وبادلتها أنت بإشراقة فرح.. فرحت حين استفاق الملهى عن نهاية قصوى لانفضاض الجمع.. عدت متأبطاً صيدك، عدت بأشواق الرجال الأوفياء، والرمية الأولى، اجتاحت كتل الظلام البائد، فاستضاءت وتوضأت، بملمس اليدين.. وفي الغرفة الصامتة، خلف الجدران الوردية، ودعت جل ما ترتديه، كما فعلت أنثاك ما فعلته..

يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية

  #62  
قديم 12-25-2012, 12:26 PM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

في الملاذ المتوهج، تساقطت النجوم نجمة نجمة، وتساوى الحلم باليقظة، وتوازى النعيم بالجحيم، واختلط الزبد بالرعد والزلزلة بالسكون، قالت بفجاجة لذيذة، هات ما عندك، ولج الغامض، رجه يا سيدي، وزع أذاك اللذيذ يختمر في الجوف، دعه يستقر حتى يحمر قرص الشمس، ويلتهب السديم، دعك هكذا، معتلياً الربوة السحرية، واقبض على هامتها بكل ما أوتيت من فحولة، وتقول أنت، انخفضي قليلاً، وهزي جذع النخلة رويداً، العنب، رخو، شهي، ندي، عفي من رعونة الزمن، وتقول ارتفعي قليلاً لأضع العصا فوق شفة النهر، هذا زمن الحصاد.. تكبر دوائر الأحجار في باطن الأرض، فتحدث الزلزلة، تحدث العاصفة وأنت مازلت تلقمها، حبلك السري، بانتفاضة عارمة، ورعشة صارمة، فتسبحان في الماء، تغرقان في العويل الداخلي، تتدحرجان ككرتين، من فوق سطح الجحيم، تستديران، تتكوران، تنكمشان، تتلاشيان، بتلاشي الزمن والمكان، تطلب منها أن تناديك بقوة يا نبهان، اسحقني.. تنادي، وأنت تسحق، تشعر بأنك تبيد مع جسدها الممحون، فيروز الذي كان يشعر بأنك تدوس على الحثالة..

نفضت غبار السماء، ورتبت ثياب الأرض، اعتنيت كثيراً، بلملمة الملاءة، الهاربة من جلجلة الرعد، استعنت بنظرات المرأة، كي تنظف الجدران، حمحمة الفراغ، سويت عراءك، لحفت عرقك بمسحة من يد مسترخية أسورة المرأة، المتناهية في الغفوة، تأملت الوجه اللامع جيداً، تأملت لجلجة الصدر الناهض، ملأت عينيك بالابتسامة، وبالبريق المتسلق من جبال شاهقة، لمع وجهك بالحلم النبيل، لمعت أنت، أشرقت، تألقت تأنقت، وبرشاقة الخيط الحريري، طوقت عنقها بنظرة غاصت تتقصى جذور العروق الخضراء، والشفاهية، الجامحة، ساورك ظن، لكن الظن النجيب، ساورك الظن بأن تعيش مائة عام، أو ألف عام، أو أكثر، لأن العمر أصبح مطواعاً في معصم يدك، أصبحت الحياة خاتم سليمان، الذي يحمل على جناحيه فخامة بلقيس، وأبهة الصولجان المدهش، والسندس الفريد، تقول إنها جلست إلى جوارك. تفرست فيك ملياً، قرأت ملامح وجهك، ناولتك فرحتها، فانتزعت أنت الفخر والاعتزال.. ارتفعت كتفك إلى عنان السماء، متجاوزة النجوم والكواكب، متجاوزة العظمة بكل ما تعنيه المعاني الفريدة.. أجل جلست إلى جوارك متكالبة، متهافتة، متعاقبة أجيالاً من النساء الضارعات، اليافعات، الملهمات، متداعية بوعي أنثوي، سابحة في عينيك، تقنص أشواقها في بحيرة التواريخ المذهلة..

تقول، ما تعنى الحياة عندما لا تكون المرأة شجرة، وأشواقها ثمرة التفاح التي لا تسقط جزافاً، ما تعني الحياة عندما لا تكون الأشواق سفينة تحمل عشاقها، إلى مراسي اللهفة، ومحطات الرغبات النبيلة.. تنظر إليها، وتبصق في الفراغ قائلاً: تباً لك يا فيروز، تباً للحثالة، والنجاسة، ونفايات التاريخ والبقع السوداء في سفح الجغرافيا.. تباً لفكرة تراهن على الخرافة كحبل معرفة.. وقبل أن تغادر، قبل أن تفرغ المكان من الرائحة، قبل أن تترك الهالة وحيدة تملأ وعاء الذاكرة، مدت يدها، مددت يدك، تشابكت الأيدي، وعلى حرير الجلد، نما برعم اسمه الحب.. تقول إنك أسرفت كثيراً في النظر إلى محياها، تبحث عن صورتك، وتشم رائحتك، ثم انصرفت، تبصق في الفراغ، باتجاه القبر الذي ودعته باللعنات، ولما غيب الباب العطر، ذهبت أنت تقرأ مضاريف الكتاب المقدس، وترتل أناشيدك، طرباً وفرحاً، وابتهاجاً، واحتفالاً بميلاد نبهان، العارم، الصارم، ثم نشدت الصمت، مؤمناً بأن التاريخ لن يكرر نفسه، طالما أيقظ نبهان، روحك، بأجراس الوعي..

وفي ذروة الظفر قلت.. طبت يا نبهان، مساءً وصباحاً، ونعمت بأنبل الأيام الواعية..

الآن أستطيع وببراعة أن أصف حالتي قبل وبعد، مستفيداً من نعمة فرويد العظيمة، مستعيناً بقدراتي الكامنة.. نعم كنت كمدينة سرية تقطن تحت الأرض، تزلزلت في باطنها الصخور إثر غضب طبيعي، فصحت على شروخ في الجدران، وتهشم في الزجاج، وترهل في الأبواب، وصدمة عارمة ضربت سكانها.

تقول بصراحة هكذا أنا.. انتكست، فتعمقت وأزحت وبدلت، وغيرت، صرت أشخاصاً عدة، صرت أبا سيف الماجن، صرت فيروز المقصر، صرت نبهان المتحرر، وصرت أشياء أخرى، مختلطة من شخصيات مرت في حياتي، صرت أمي المسحوقة، صرت أبي المتجهم، صرت بعض أصدقائي اللامبالين، صرت بعضهم المنزوين، العابسين، وصرت وصرت..

ثم تضيف بجلاء.. في الحقيقة أنا هؤلاء كلهم، ولكن ما يستولي عليّ الآن وبعد أن قبرت فيروز اللعين، هو هذا المارد نبهان، الذي انتفض في داخلي، زلزلني، هزني من العمق، وراح يحك الصدأ من فوق جلدي، يدعكني، يفركني، يعصر روحي بقوة الكائنات الشرسة، ليطيح بالخرافة التي استوطنت هذه الروح، ولا شك في أنه كان مزيجاً من أم الدويس، بذراعيها العملاقتين، وضميري المستتر الحالم بالحقيقة.. الآن لا بد أن أتصور أن الحثالة دائماً ما تستقر في قاع الفنجان، ولكن هزها بعنف يحرك جزئياتها، فتختلط بالصفاء، بعضها يطفو إلى سطح الفنجان فيسهل القبض عليه.. هكذا فعل نبهان، عندما حرك ذراعيه كشراعين، تنتشران في مساحة الريح، فتم القبض على فيروز، ومن ثم دحره، إلى أن وصلت به الحال في قعر الحفرة المظلمة.. الآن وقد أخذ نبهان ناصية انتباهته، وتربع عند الربوة العالية، ويرمي ببصره نحو المشاهد، أجد نفسي، في الزمن المناسب، حيث لم أكن من قبل كذلك، كان الزمن يسبقني، لأن وزن الحثالة التي تراكمت على وجهي، أثقل مما أحتمل إزاحته، الآن أنا نبهان، أنا الإنسان، الذي تخرج في كتيبة الفرسان الذين يقبضون على الحلم، قبل أن يتحول إلى وهم، ثم ظن، ثم خرافة عملاقة تطارد المخيلة حتى تدركها، وتطيح بمكوناتها العقلية، وتجعلها مطية للخوف الأبدي..

بصوت وئيد تصرخ.. متى تخلع الجدران جلابيبها، وتعرى كامرأة متشظية، وحتى يتمايل السقف كأنه خصلات امرأة، تحللت من مقبض الحياء، وحتى تميد الأرض، كجسد أنثى، لانت بعد تصعب، ثم انهمرت متعافية بالشهوة النبيلة.. وصرخة أخرى، تعتريك، وهي تتزحلق من حنجرتك، تنتزع معها أحبالك الصوتية، ومعها أحشاءك المتهاوية.. تجلس على السرير نفسه، تحملق في المكان، الغرفة البائسة أصبحت فسحة معشوشبة، برائحة امرأة، غافية إلى جوارك، تنتظر إشارة، النظرة الأولى، الكلمة الأولى، الابتسامة الأولى، وأنت تحشد مزاياك الأخلاقية، وتتجمع في وعاء إنسان، لم يزل يتخلق بأخلاق النجباء، لم يزل يتكون في رحم هذا الكون، ولم يزل يربط حبله السري بمشيمة امرأة، لا تبدو ملامحها غريبة، لا تبدو أنفاسها غريبة، هي الآن قريبة منك إلى حد التداخل، تتوغل فيك، كما تلجها أنت تبحر في جسدها متعافياً، بالرغبة المستبسلة، تقطع التضاريس بأناة وتؤدة، مستخدماً لسانك، وهو الحاسة الأولى في الجبلة الأولى في اكتشاف المجهول.. تعرف من لسانك أن للجبلين الناهضين عند السفح المهادن ثورة الأيديولوجيا الحمراء، تعرف أنهما الرغبة الأولى في الحنين، إلى عاطفة الأنثى الورعة، تعرف أنها الحفنة الأولى التي ترطب شفتي كائن شظف.. فتلقمتها باحتراف، وقبضت على صهيلها بإتقان، وكان أنفك يغوص في الطين اللدن، تشم الرائحة، وتسكر، فتنغرس أكثر، تشم الرائحة، فتشد البحار عزمها، والأنهار تفيض، فينتفخ جذع الشجرة، ينشر أوراقه على التضاريس، وما بين النهرين العظيمين، وكلما انتصبت أنت، وارتعشت الأرض من تحتك، وزاغت عيون السهول المنبسطة، انتكس فيروز المقبور، وخارت قواه، واحتفيت أنت باليقين..

يتبع ..


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية

  #63  
قديم 12-25-2012, 12:27 PM
المركز الإعلامي المركز الإعلامي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 63
افتراضي

.. تابع

صرخة ثالثة تهدر مخلخلة أطراف التضاريس، مجلجلة في الأتون، والمتون، تزعق الأنثى غارقة في الصهيل، جامحة باتجاهك، مطوقة، تفرعك، متشبثة في العنق، بشوق الكاسيات، المدنفات، المتسربات في الشريان والوريد.. وأنت المعني بحليب المراحل الغابرة، تبحث عن نقطة، تسأل عن نطفة تشد الأزر، وتمنحك النظرة الأليفة.. لا تنطفئ، لا تختبئ، كل الخلايا، يقظة، كل النوايا مستنفرة، كل الأحلام تصحو متأهبة، محتفلة بالنشيد الأممي وعزف الجسد..

وبعد.. وبعد أن نفضت الغبار، وقذفت بالصدأ، لم تجد في أم الدويس سوى فكرة متخاذلة، صنعها فيروز، لغاية في نفسه، صرت أنت وعاءها، وحاملها، كما يحمل المريض فيروس العدوى.. تنظر إلى المرأة التي تنام في وداعة بجوارك، تقبل جبينها، وتمسد شعرها، المحاذي لجبينك، ويدك الأخرى تلامس النجمتين، وتفتدي من أجلها العمر كله.. وتشيعك هي بنظرة معاتبة، كيف أنك خذلتها، وطعنتها في السنين الماضيات، كيف أنك طاوعت فيروزك، ولعنت أنوثتها حين تصورت أن للمرأة مخالب، وساورك الظن أن بعض الظن ليس إثماً.. تشيعك وتفديك بروحها، وتقول نظراتها، العاشقة، عندما تهلك في الخرافة يضيع اليقين، ويبدو الكون هالة من كائنات مرعبة..

تشيعها أنت في أسف، تريد أن تقول: سأكفر عن خطيئتي، فاغفري إن شئت، وإن لم تشائي، فسأقول أيضاً.. الماضي لن يعود، وفيروز الذي كان انتهى إلى زوال، ولن يملأ وعاء القلب سوى نبهان.



تمت ..

18-10-2010


زوم نــــــــت
رد مع اقتباس
روابط دعائية
روابط دعائية
روابط دعائية

رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 07:04 AM






Powered by vBulletin® Version 3.6.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.